في فصل منسي من كتاب جوهرة الجواهر الذي هرّبه برزويه المتطبب من الهند إلى فارس، ورد حوار بين دبشليم الملك وبيدبا الفيلسوف في أعقاب باب الحمامة المطوقة، الجرذ، السلحفاة، الغراب والظبي، فقال قد فهمت مثل إخوان الصفا، فـأخبرني عن إخوان الخباثة وخلان الخيانة وأهل السخط.
قال الفيلسوف إن العاقل ينأى بنفسه عن مجالس السفهاء ومعشر اللؤماء فلا يضع نفسه في غير موضعه وإلا كان كمثل الظبية التي دخلت جحر الجرذان. فسأل الملك: وكيف كان ذلك.
زعموا أن ظبية معجبة برأيها معتدة بنفسها، دعاها الثعالب والحمير إلى مجلس لدى قبيلة جرذان بدأتها للظبية بالعداوة والافتراء والشَتْمِ واللِعان، فلبّت الظبية مخالفة مشيئة رئيس السرب، ودخلت الجحر وسلّمت وأفاضت وقبّلت وبادلها الجرذان بالنفور والويل والثبور وانقضوا عليها فمزقوها بقواطعهم وقتلوها بمخالبهم.
حضرتني هذه الرواية فيما أشاهد تقارير إعلامية عربية تناضل وتكافح دفاعًا عن نظام الملالي وتروج لسردية النصر الإلهي، وفيما أقرأ تقارير مراكز أبحاث ممولة عربيًا كالــ CSIS والــFDD و The Washington Institute for Near East Policy والتي تحدثت عن مثلث صيني، روسي إيراني، كمحور صاعد بمواجهة الأميركي، غير أن هذه الأصوات في سياق دعمها مباشرة أو بصورة غير مباشرة لخط الإسلام السياسي تتجاهل عمدًا الحقائق التالية:
1- لا يوجد فعلا مثلث إيراني روسي صيني، فالصين انكفأت في حدود خط السبعين، روسيا تحولت إلى دور وظيفي إقليمي مساعد للأميركي، والروس والصينيين عرضوا تفكيك المشروع النووي الإيراني، أي دخلوا على خط الوساطة والوساطة لا تقبل بالانحياز أو الاصطفاف.
2- إن الدولة الوحيدة التي ارتفع فيها الناتج القومي في العام 2025-2026 هي الولايات المتحدة الأميركية التي وحدها تتفوق على الصين وروسيا وإيران مجتمعين.
3- إن الانفاق العسكري الأميركي يتفوق على الانفاق العسكري العالمي المقابل.
فالحديث عن مثلث إيراني روسي صيني لا يعدو كونه ضرب من الخيال.
موقف بعض العرب في دفاعهم عن إيران عصي على الفهم، كموقف الظبية في القصة القصيرة أعلاه، ففيما تقصف موانئ دول مجلس التعاون الخليجي ترى وسائل إعلام ناطقة بالعربية تدافع عن إيران وتروج لسرديتها مدفوعةً بعقيدة الإسلام السياسي الاعجمي. هذا المشهد لا يبتعد كثيرا عن لبنان ففيما يخرج قاليباف ليكذِّب سردية نعيم قاسم ويعلنها صراحة أنه يريد التفاوض نيابة عن لبنان في مقابلة لصحيفة الفيغارو، ويعلن في مقابلة تلفزيونية موجهة للشارع الإيراني أن حزب الله دخل الحرب دفاعًا عن طهران، ترى محمود قماطي ووفيق صفا ومن لف لفيفهما ينبرون للدفاع عن وحدة المسار والمصير مع الجمهورية الإسلامية في إيران ويهددون إخوانهم في المواطنة ويرفضون الدعوة إلى كلمة سواء، والاحتكام إلى المؤسسات الدستورية الحاكمة الحياة السياسية في لبنان.
إن نظرية الصدع الكبير قد أنجزت، ولا يهم أركان النظام إن رموا بكل حلفائهم في أتون الحريق منعا لانكسار القفل وانهيار السد، وفي هذا السياق لا أستطيع أن أفهم كيف استهدفوا Jag Arnav Sanmar Herald الهنديتين ولم يتعرضوا في نفس الزمان والمكان لسفن ترفع علم بنما والمارشال الايلاند (التي تعتبر محمية أميركية) واليونان وتتجه إلى تايوان سيرلنكا وموزمبيق تايلاند وكوريا الجنوبية، فهل كان في ذلك إقحام للهيب الهندي الباكستاني في مِرجَل الصراع؟ وهل حقًا في ذلك خدمة للصديق الباكستاني الذي عانق عباس عراقجي وقاليباف بحرارة وود لافتين؟ أمام هذا المشهد المتناقض الذي تؤذي فيه إيران أصدقاءها وتزج بهم في أتون غير محمود النتائج يصر هؤلاء على مد يد العون لها ولو احترقت أيديهم وربما امتد اللهيب إلى كل كيانهم.
وفي لبنان، ما زال البعض يتمسك بمفاهيم الماضي ويعلن رفض التفاوض المباشر، ويتمسك بالتفاوض غير المباشر، ويتبعه آخرون فيتمسكون بلاءات الخرطوم الثلاث وكأنهم والواقعية يعيشون في عالمين متوازيين متناظرين كل ضفة منهما تعيش واقعًا مغايرا عن الآخر.
نحن اليوم لم نعد في زمن يتفنن فيه الصانع الأميركي ويفاخر بكاديلاك فليتوود، والـSuper Saloon، نحن في زمن تيسلا وشيفروليه Avio، ولم تعد الجودة هي أساس العقيدة الصناعية الأميركية، بل التنافسية والربحية، نحن نعيش في زمن الـBig Mac، ومجلس ترامب للسلام، وانكفاء الولايات المتحدة عن خوض حروب الآخرين. نحن في زمن حجز على السفن التي ترفع العلم الإيراني والحجز كذلك على اسطول الظل الذي يعتمد الإيرانيين عليه بدلا من العلم الإيراني، فيما الحرس الثوري وأذرعه قد اتخموا لائحة الــOfac list بوشايات كاذبة عاقبوا مناوئيهم بها.
من لا يقرأ تطورات الناتو، ويُسقط عليها خطاب ترامب عند أدائه القسم في ولايته الثانية، ويراقب ما حدث في مؤتمر انطاليا نيسان 2026 الذي تحول إلى منصة دبلوماسية مناهضة لإسرائيل فيما توم باراك يشيد بأردوغان وأحمد الشرع متجاوزا عقيدة نيكي هيلي وكاسرا السوابق الكثيرة مثل مؤتمر دوريان، فلم نشهد التشدد المعهود في الدفاع عن إسرائيل.
العقيدة السياسية الجديدة هي الاستعمال والترك، ولتهدر شقشقة حتى تستقر حدود المنطقة، لكن المسؤولية الأخلاقية على الولايات المتحدة هي أنها منذ اتفاقية القاهرة أقحمت لبنان في أتون لا يريده، ثم نزعت سلاح الميليشيات اللبنانية، واصبحنا في واقع هجين فورث حزب الله فتح لاند، ولم يتم أي استثمار جدي حقيقي في تسليح الجيش ولا تمويله، بل تم خلق أجهزة رديفة كما تم القضاء على الجيشين القوميين العراقي والسوري وسُمح بتأسيس قوى عسكرية مؤسسة من فصائل شبيهة بحزب الله، وكأنهم رسموا خريطة الفوضى وتركوا المواطنين في هذه المنطقة عزلا لا معين لهم ليذبحوا كما ذبح علويو الساحل الشرقي للمتوسط في 07 آذار 2025، وفي هذا السياق يطالب الجولاني باسترداد رفقائه بالسلاح لــ"يحاكمهم" في عدالته الانتقالية، وهو لم يحاكم جزاري الساحل وجرمانا والسويداء بل وأرسلهم إلى الحسكة مستخفا بالحلف الكردي الأميركي القديم.
هذا المشهد يضعك أمام إشكاليات كبرى في فهم المشهد، ولكن مع ذلك لا يجوز أن نتسرع فتقتبس رئاسة حكومتنا "أقوال الشرع"، أو تقوم الخارجية اللبنانية فتدين اللبنانيين بمجرد أن الجولاني اتهمهم دون أن تمارس الحد الأدنى من المعاملة بالمثل فتتدخل وزارة العدل وتطالب باسترداد مواطنيها! إن العلاقة الطيبة مع سوريا هي ضرورة حيوية للبنان كائنًا من كان على رأس الحكم في سوريا، ولكن العلاقة الطيبة لا تكون دون احترام السيادة اللبنانية وحماية حقوق المواطنين اللبنانيين، واحترام الصلاحية الذاتية للشريعة الجزائية اللبنانية. وفي هذا لسنا بصدد "خطاب رسولي" جديد يخرج من دمشق، خاصة ما إذا تنبهنا أن الرجل تعهّد بأكثر مما يستطيع، وفي عالم المقاولات يتم التضحية بالمتعهد الذي لا يفي بالتزاماته، ولا يغرنك الاستشاري الذي من واجبه ان يلزمك بالاستمرار بالعمل حتى تحين لحظة صدور خطاب الانهاء Termination Notice إذا لم يتم الالتزام بالعهود.
في الختام مهما كان وجه الاختلاف مع رئاسة البلاد فلا يجوز أن تصطف مع وكالة تسنيم الإيرانية التي أساءت للرئيس، وكالة تسنيم التي تمارس الكذب الإعلامي وتبرره أنه نوع من الحرب النفسية، وكالة تسنيم التي شاركت في هزيمة محبي السيد عندما نفت خبر اغتياله في 27 أيلول 2024 وادعت أنه بمأمن، ما أدى إلى إصابة الكثير من محبيه بحالة الانكار وما زال بعضهم يعيشها حتى اليوم، وكالة تسنيم التي نشرت كاريكاتير اليمني كمال شرف الذي تعمّد الإساءة إلى فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية، لم تقف اساءتها عند حدود رمز وحدة البلاد، وإنما سخرت من تضحيات الشعب اللبناني وصورتها كلعبة كرة قدم يتصافح اللاعبون عند بدايتها وعند نهايتها وتكون نتيجتها تسلم جائزة، نعم هكذا يرى الإسلام السياسي معاناة الشعوب.
وكالة تسنيم وأخواتها التي تمارس الكذب على الشعب الإيراني وتبرر اتخاذهم رهينة وتخاطبهم أن أجر بلائهم وفقرهم وتعاستهم الجنة فيما يتنعم المشرفون عليها بطيبات الحياة الدنيا، هؤلاء يسممون عقول الناس ليعيشوا خارج التاريخ فيما يسعى القيمون على وكالة تسنيم أن يتأقلموا مع النظام الجديد.
هذا النظام الذي يجب ان تبقى فيه على الطاولة، ولا ينبغي أن تقف في مواجهة القطار، وهنا لا مجال للمراوغة فإما تريد أو لا تريد: Tu Veux ou Tu Veux Pas ولا يسعك أن تقول اليوم نعم وغدا لا، فالمطرب ليس خوليو وإنما مارسيل زانيني إما أن تلعب وفق قواعدهم وإما تترك الطاولة My way or the Highway.