مع بدء وقف إطلاق النار، كشف جمهور "حزب الله" بشكل صادم طبيعة الانتماء التي حاول كثيرون، لسنوات طويلة، تغليفها بوهم "لبننة" الحزب. ما قيل وما رُفع من شعارات لم يكن تفصيلاً في خطاب سياسي، بل كان بمثابة إعلان هوية؛ هوية تتجاوز الدولة، وتعيد تعريف الانتماء، وتطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما نراه هو بيئة لبنانية، أم امتداد لجالية سياسية-عقائدية إيرانية؟
لقد أسقط المشهد الصادم، دفعة واحدة، سردية "لبنانية "حزب الله"" التي بُنيت بعناية على مدى عقود. لم يعد ممكناً الحديث عن علاقة دعم بين إيران والحزب، ولا عن تحالف مصالح ظرفي، بل عن ارتباط عضوي يعيد ترتيب الأولويات: العقيدة قبل الوطن، والمرجعية الدينية قبل الدستور، والمشروع الإقليمي قبل الدولة. وفي هذا السياق، لم يكن ما قيل في الشارع أو كُتب على منصات التواصل الاجتماعي مجرد توصيف فكري، بل تحديداً صريحاً لمصدر القرار والشرعية، بما يعني عملياً أن القرار النهائي في طهران، وما يُصنع في بيروت ليس سوى تنفيذٍ له.
من هنا يظهر تحوّل بيئة الحزب إلى إطار يعرّف ذاته انطلاقاً من مرجعية إيرانية، ويستمد شرعيته منها، ويضع أولوياته وفق مشروعها. هذا الوجه الصادم ينقل صورة "البيئة" إلى صورة أكثر قرباً من مفهوم "الجالية" بالمعنى السياسي-الوظيفي: جماعة تنتمي عقائدياً وسياسياً إلى مركز خارج حدود الدولة التي تعيش فيها.
على مدى سنوات، كانت هذه الحقيقة المُرّة موضع إنكار من قبل شريحة واسعة ممن استفادوا من هذا الواقع. وقد شاركت في حملة التعمية الإعلامية قوى سياسية ودينية وإعلامية من مختلف الطوائف، روّجت لفكرة مزيفة مفادها أن الحزب "مقاومة لبنانية"، وأن سلاحه محصور بمواجهة إسرائيل، وأن علاقته بإيران لا تتجاوز حدود الدعم. هذه السردية لم تكن مجرد رأي، بل شكّلت غطاءً سياسياً لاستمرار واقع استثنائي خارج منطق الدولة، وساهمت في تعطيل أي نقاش جدي حول السيادة ووحدة القرار.
اليوم، وبعد هذا الوضوح غير المسبوق، تبدو تلك المواقف أمام اختبار صعب: فإما الاعتراف بأن ما جرى تسويقه كان وهماً سياسياً، أو الاستمرار في إنكار واقع بات يعلنه أصحابه بلا مواربة. وهنا تكمن المفارقة: لم يعد الخصوم هم من يتّهمون الحزب بالارتباط بإيران، بل الحزب نفسه يقدّم هذا الارتباط كجزء من هويته وشرعيته.
الأخطر في هذا التحوّل أنه ينعكس مباشرة على موقع لبنان ودوره. فحين يصبح قرار الحرب والسلم مرتبطاً بمصالح إيران، يفقد لبنان قدرته على تحديد مصيره، ويتحوّل إلى ساحة ضمن صراع إقليمي أوسع. وعندها، لا تعود الأولويات الاقتصادية والاجتماعية والإنقاذية ذات وزن فعلي أمام منطق "المهمة" الذي يتجاوز حدود الدولة.
من هنا، هل يمكن، في ظل هذا الوجه الحقيقي الصادم، الحديث عن تسوية داخلية تقليدية؟ هل يمكن الحديث عن مصالحة ومصارحة؟ هل يمكن الحديث عن عودة "حزب الله" الى "لبنانيته" ؟ هل يمكن الحديث عن عودة "حزب الله" الى الدولة؟ ام اصبح كل ذلك وهم…وكلام ممجوج..وبتنا أمام واقع يتطلب مقاربة مختلفة بالكامل؟