المحامي رفيق اورى غريزي

تغريبة الفقيه واختطاف الأوطان: قراءة في "أضاليل" المنهج وانتحار التجربة

5 دقائق للقراءة

حين أصدر الشيخ نعيم قاسم كتابه "حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل"، لم يكن يقدم قراءة سياسية بقدر ما كان يضع "مانيفستو" لاختطاف الهوية الشيعية العربية وإلحاقها بمركزية القرار في طهران. إن هذا المنهج الذي يسوقه قاسم على أنه "قدر إلهي" هو في حقيقته مشروع سياسي هجين، يتصادم بنيوياً مع جوهر الفقه الشيعي التقليدي، ويناقض مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، ويحيل "المستقبل" الذي وعد به إلى واقع مرير من الخراب والدماء والارتهان.

تبدأ خطيئة هذا المنهج من محاولة فرض "ولاية الفقيه المطلقة" كأصل من أصول المذهب، بينما تشهد أروقة النجف والقم التاريخية أن هذه النظرية كانت ولا تزال "شذوذاً فقهياً" رفضته كبار المرجعيات. فعلى رأس الهرم الشيعي اليوم، يقف المرجع الأعلى السيد علي السيستاني في النجف الأشرف كأكبر عقبة فقهية أمام طموحات المرشد الإيراني؛ فالسيستاني يتبنى "ولاية الفقيه المقيدة" التي تحصر دور رجال الدين في الأمور الحسبية والروحية، وترفض رفضاً قاطعاً ولاية الفقيه العابرة للحدود التي تجعل من شيعة العالم رعايا لدولة أجنبية. يرى السيستاني أن "الشعب هو مصدر السلطات"، وهو ما ينسف جوهر كتاب قاسم الذي يجعل "المرشد" هو المصدر الوحيد للشرعية.

ولا يتوقف الرفض عند حدود النجف، بل يمتد إلى قلب إيران نفسها، حيث عارض كبار المراجع تاريخياً "تسييس المذهب" بهذا الشكل الفج. فالمجع الشيعي الكبير السيد كاظم الشريعتمداري، ومن بعده المرجع السيد حسين علي المنتظري (الذي كان يفترض أن يخلف الخميني)، كلاهما حذرا من أن ولاية الفقيه ستحول الدين إلى أداة قمع سلطوية وستؤدي إلى كفر الناس بالمذهب نتيجة فشل السياسة، وهو ما نراه اليوم في "التجربة" التي يتغنى بها قاسم. إن مدارس "الإثني عشرية" الأصيلة، مثل مدرسة المرجع السيد محمد الروحاني والعديد من علماء مدرسة "التفكيك" ومدرسة "الانتظار"، يرون أن إقامة دولة دينية شمولية قبل ظهور الإمام الغائب هي "راية ضلال"، مما يجعل مشروع حزب الله في ميزان الفقه التقليدي خروجاً عن ثوابت المذهب وتحريفاً لغاياته.

هذا الانفصام الفقهي يترجم تاريخياً إلى سلوك سياسي اتسم دائماً بالخروج عن مفهوم الدولة العربية. فمنذ نشأة "حزب الله" في لبنان عام 1982، لم تكن بوصلته بيروت بقدر ما كانت طهران. ولإثبات هذا التناقض، يكفي رصد التسلسل الزمني للعمليات الأمنية التي نفذها هذا المشروع لزعزعة استقرار الدول العربية، وهو تاريخ يقطر دماً وتآمراً. ففي الثمانينيات، بينما كان اللبنانيون يطمحون للاستقرار، كان الحزب يضع حجر الأساس لـ "حزب الله الحجاز" و"حزب الله الكويت"، لتشهد المنطقة سلسلة تفجيرات "الجعيمة" في السعودية (1983)، ومحاولة اغتيال أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح (1985)، وتفجيرات مكة المكرمة في مواسم الحج. لم تكن هذه الأحداث "نصرة للمستضعفين" كما يدعي قاسم، بل كانت "بروفات" دموية لتصدير الثورة الإيرانية بقوة السلاح والمتفجرات.

وفي التسعينيات، توج هذا الإجرام بتفجير "أبراج الخبر" (1996) بإشراف مباشر من قيادات عسكرية إيرانية وبتنفيذ خلايا محلية تم غسل أدمغتها بأفيون "ولاية الفقيه". ثم جاء عام 2008 ليكون الفضيحة الكبرى، حين وجه الحزب سلاحه إلى صدور اللبنانيين في 7 أيار، ليثبت للعالم أجمع أن "المقاومة" ليست سوى ميليشيا احتلال داخلي تهدف لحماية مكاسب الولي الفقيه. ولم يكتفِ الحزب بذلك، بل تحول إلى "جيش مرتزقة" عابر للحدود، فدخل سوريا ليذبح الشعب السوري حماية لمصالح طهران، وأرسل مدربيه لليمن لتحويل "الحوثيين" إلى مخلب قط يهدد أمن الحرمين الشريفين، وكشفت "خلية العبدلي" في الكويت (2015) أن أطماع هذا المحور لا تستثني شبراً واحداً من أرض الخليج.

إن وضع الشيعة في دول الخليج العربي (السعودية، الإمارات، قطر، البحرين) يكشف زيف ادعاءات "المظلومية" التي يقتات عليها نعيم قاسم. ففي هذه الدول، يمثل الشيعة جزءاً أصيلًا من الدولة؛ هم وزراء، وسفراء، وتجار، وأعمدة في الاقتصاد الوطني. لقد أثبتت التجربة في السعودية، خاصة مع "رؤية 2030"، أن المواطنة الشاملة هي الرد الحاسم على الطائفية الإيرانية. فالدولة السعودية تعامل مواطنيها كأفراد متساوين أمام القانون، بينما يريدهم حزب الله "وقوداً" في حروبه العبثية. وفي الإمارات وقطر والبحرين، نجد التفافاً وطنياً من المكون الشيعي حول قياداتهم السياسية، رافضين أطروحات "المرشد" التي لم تجلب للعواصم التي سيطرت عليها (بيروت، بغداد، دمشق، صنعاء) سوى الجوع والانهيار والتبعية.

إن الدراسة العميقة للتاريخ والجغرافيا تثبت أن إيران لا تستخدم "التشيع" إلا كغطاء قومي فارسي لتوسيع نفوذها. فالدعم الإيراني للميليشيات ليس دعماً مذهبياً، بل هو استثمار في "الفوضى" لتكون ورقة ضغط على الطاولة الدولية. إن الوقائع تثبت أن حزب الله اليوم يعيش أزمة وجودية؛ فهو مطالب بالدفاع عن حدود إيران لا حدود لبنان، وهو مجبر على معاداة أشقائه العرب إرضاءً لـ "قاسم سليماني" وخلفائه.

ختاماً، إن كتاب نعيم قاسم هو وثيقة إدانة تاريخية، تثبت أن "المنهج" هو التبعية، و"التجربة" هي القتل، و"المستقبل" هو الانهيار. إن استعادة الشيعة العرب لحضنهم الوطني ولعروبتهم وللمذاهب الفقهية المستقلة (كالنجفية والمدارس التقليدية) هو السبيل الوحيد لإنقاذ المنطقة من "السرطان" الأيديولوجي الذي زرعته طهران. لقد آن الأوان لرفع القناع عن هذا المشروع وإثبات أن "ولاية الفقيه" ليست حكماً إلهياً، بل هي استبداد سياسي يرتدي عمامة الدين ليذبح الوطن.



المراجع والدراسات:


كتاب "وصايا" – الإمام محمد مهدي شمس الدين: المرجع الأساسي في نقض ولاية الفقيه والدعوة للاندماج الوطني.

كتاب "شيعة العراق" – إسحق نقاش: يوضح التباين بين تشيع النجف وتشيع قم المسيس.

دراسات معهد واشنطن حول "حزب الله الحجاز": لتوثيق التفجيرات والعمليات الإرهابية في الخليج.

أبحاث السيد علي الأمين: "ولاية الفقيه والدولة الوطنية" – تفنيد فقهي شامل لسلطة الحزب.

مذكرات آية الله المنتظري: لشهادة من داخل النظام الإيراني على انحراف بوصلة الثورة.