مروان الأمين

المرحلة "الترقيعيّة"

3 دقائق للقراءة

يواجه حزب الله اليوم مأزقًا متفاقمًا على مستوى الخطاب السياسي، وقدرته على مخاطبة جمهوره وإقناعه وطمأنته، في ظلّ ظروف سياسية وأمنية معقدة. هذا المأزق لا يُعدّ وليد التطورات الأخيرة المرتبطة بحرب إسناد إيران، بل يمتدّ إلى مرحلة ما بعد التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعقب حرب عام 2024. فعلى امتداد خمسة عشر شهرًا من استمرار الاحتلال الإسرائيلي لخمس تلال، وتواصل استهداف عناصره وقياداته العسكرية من دون ردّ يذكر، برزت تساؤلات متصاعدة داخل بيئته الحاضنة من طبيعة "ما الذي يحصل؟".

ورغم محاولات "الحزب" تبرير هذا الواقع بالقول إن المسؤولية تقع على عاتق الدولة، فإن هذا الطرح لم ينجح في إقناع جمهوره. ويعود ذلك إلى التناقض مع الخطاب الذي دأب على ترسيخه على مدى سنوات، والذي يقوم على تصوير الدولة بوصفها ضعيفة وعاجزة، مقابل تقديم "الحزب" وسلاحه كخيار وحيد لضمان الحماية. ومع مرور الوقت، انعكس هذا التناقض تراجعًا في تماسك السردية التي لطالما شكّلت ركيزة خطابه، لا سيما أن هذا الخطاب كان يقدّم "الحزب" باعتباره في موقع القوّة، وقادرًا على فرض معادلات ردع تحول دون إقدام إسرائيل على استهدافه، وهي فرضية باتت اليوم موضع اختبار يومي لا يحمل إلا المزيد من الشكّ ويطرح المزيد من الأسئلة حول صحّتها.

لا تقتصر معاناة جمهور "حزب الله" على الخسائر البشرية والمادية، ولا على الدمار الذي طال منازلهم، أو عجزهم عن العودة إلى نحو خمس وخمسين قرية باتت تحت الاحتلال الإسرائيلي، بل تمتدّ أيضًا إلى أزمة أعمق تتمثل في غياب الإجابات عن أسئلة جوهرية. في مقدِّم هذه الأسئلة: كيف مُنِيوا بهذه الخسارة الميدانية واحتُلّت الأرض، فيما طالما سمعوا خطابًا لا يتكلّم إلّا عن قوّة "الحزب" الرادعة؟ وهل ستتحقق عودتهم يومًا ما إلى قراهم؟ وإذا حصلت، فمن سيتولى تمويل إعادة الإعمار؟ وقبل كل شيء، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا حدث كل ذلك، ومن أجل ماذا تُدفع هذه الأثمان الباهظة؟

في السابق، شكّل حضور حسن نصرالله عاملًا معنويًا أساسيًا في تهدئة المخاوف واحتواء القلق. كان يعرف كيف يخاطب هذا الجمهور، وكان يتمتع بحضور معنوي كبير في وجدان هذا الجمهور. أمّا اليوم، فلا يواجه هذا الجمهور غياب الإجابات فحسب، بل أيضًا غياب الشخصية القادرة على التكلم معه بلغة تطمئنه وتحتوي هواجسه. ولا يبدو أن ثمة شخصية واحدة داخل "الحزب" قادرة على أداء هذا الدور، ما يفسّر الحضور المكثف للمسؤولين عبر الشاشات في محاولة لملء هذا الفراغ.

غير أن هذا الحضور المكثف لم ينجح في سدّ الفجوة، بل على العكس، لقد ظهّر حجم الفراغ الذي يتجاوز قدرة هؤلاء على احتوائه، الأمر الذي يساهم في رفع منسوب القلق والتوتر داخل البيئة الحاضنة.

في مواجهة الخسارة الميدانية، والتصدّع في السردية، وغياب الشخصية الكاريزمية القادرة على الاحتواء، يلجأ "حزب الله" إلى لغة التخوين والتهديد والشتائم، في محاولة لشدّ عصب جمهوره وتعويض هذا النقص، ولو بصورة جزئية أو "ترقيعيّة".

هذه الهزيمة التي مُنِيَ بها "الحزب" لا تقتصر على البعد العسكري فحسب، بل تمتدّ لتطول مستويات متعددة، سياسية وإعلامية ومعنوية. فـ "الحزب" الذي لطالما امتلك سردية متماسكة، أو على الأقل القدرة على إقناع جمهوره بها، يجد نفسه اليوم أمام خطاب أقرب إلى محاولات "ترقيع"، تعكس حجم الأزمة التي يواجهها في إعادة بناء روايته وإعادة ترميم الثقة داخل بيئته الحاضنة.