ليست عودة الدولة إلى الجنوب مجرد تفصيل أمني، بل هي معركة الوجود الأخيرة لبقاء "لبنان الكبير" دولةً حرّةً سيدةً مستقلة. بدأت القصة منذ البدايات، حين عاش بعضهم وهم "المملكة السورية الكبرى"، وأعلنوا ثورة وادي الحجير كتحدٍّ لقيام لبنان الكبير. يومها، تخلّى عنهم أسيادهم، فحصلت المجازر وانتهى كل شيء. اليوم، يعيد التاريخ نفسه، وتُعاد إنتاج الأوهام ذاتها. فبدل "المملكة السورية الكبرى"، نحن أمام "الدولة الإيرانية الكبرى". وكما جرى عام 1920، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه في 2026، حيث تتكرر المآسي والدمار بطريقة أكثر جنوناً وإجراماً.
لبنان الذي يتآكل اليوم لم يسقط فجأة، بل بدأ احتضاره يوم شرّعت السلطة السياسية، عام 1969، ولغايات في نفس أركانها، أرض الجنوب لتكون "صندوق بريد" ومسرحاً لصراعات الآخرين. يومها، وتحت مسمّى "اتفاق القاهرة" المشؤوم، فُتحت أبواب الجنوب أمام السلاح الفلسطيني الغريب، ففُتحت معها أبواب الجحيم التي لم تُغلق حتى اللحظة. بل انتقلت من احتلال إلى آخر، ومن "فتح لاند" سنة 1969 إلى "إيران لاند" اليوم، حيث باتت سيادة الدولة مجرد أضحية تُذبح يومياً على مذبح الأجندات والمصالح الإقليمية التي لا تشبه جوهر لبنان في شيء.
إنّ ذاك القرار الانتحاري بالتخلي عن الجنوب بالأمس كان السرطان الذي نخر جسد الوطن وادى الى انهيار دولته عام 1975. هذا السرطان الذي تغير لونه واسمه مع مرور الزمن لكنه ما زال ينهش في أمعاء الدولة حتى الساعة.
فلا قيام لدولة قوية، ولا أمل في وطن مستقر، ما لم نعد إلى الأصل الذي لا يقبل القسمة: عودة الجيش اللبناني إلى الجنوب، بسلطته المطلقة، وبندقيته الوحيدة، وعقيدته الوطنية التي لا تشبه بأي شكل من الأشكال عقيدة "الجندي الموظف" التي أسّسها إميل لحود منذ الطائف.
لقد صودر قرار الجنوبيين طوال عقود عبر سياسة "الترهيب والترغيب": ترهيب بتصفية المعارضين لتكريس هيمنة "الثنائي"، وترغيب عبر نهبٍ منظّم لمال الدولة من خلال "مجلس الجنوب" لشراء الولاءات.
اليوم، هل نحن أمام دولة تمتلك قرارها، أم أمام هيكل ورقي تُستباح سيادته تحت شعارات غوغائية ضاعت في "ضباب الطريق إلى القدس"، و"إسناد غزة"، و"إسناد إيران"، وصولاً إلى الانتقام للخامنئي، ولا ندري على أي طريق ستُذبح الضحايا مستقبلاً؟
إنّ القرارات السيادية التي يتخذها مجلس الوزراء ستبقى حبراً على ورق، ما لم تقترن بإرادة سياسية–عسكرية صلبة تقتلع عقيدة "الجندي الموظف" و"الجيش الرديف" التي زرعها إميل لحود. تلك العقيدة الممسوخة على النموذج الإيراني، والتي حوّلت العسكر من متطوعين أبطال لحماية السيادة إلى "موظفين" في خدمة مشروع "المقاومة". هذه العقيدة اللحودية السرطانية هي التي دمّرت الروح القتالية للجيش وشرعنت ازدواجية السلاح، لتصبح الدولة مجرد واجهة صورية لقوة عسكرية تأتمر من إيران وتنفّذ أهداف "الولي الفقيه".
اليوم، وأمام "جحيم الشرق" المتفجّر بحروب قادمة من أعماق أساطير التاريخ، لم تعد السلطة في لبنان تملك ترف الاختباء خلف وهم "السلم الأهلي"، بل عليها أن تدرك أن استعادة الجنوب من جنون لعبة الأمم هو الممر الإلزامي لإنقاذ لبنان الكبير. فإما أن تعود الدولة لتبسط سلطتها وتسترد كرامتها، وإما أن نبقى مجرد "أرض سائبة" في صراع الأمم. الدولة التي تخلّت عن الجنوب سنة 1969 هددت وجود لبنان الكبير في الصميم، فهل ستجرؤ السلطة اليوم على استعادة الجنوب لقيامة لبنان الكبير من جديد دولة مزدهرة رائدة؟