نبيل يوسف

عملية فردان الشهيرة وقصة فيليب الخازن "الزغرتاوي" (الجزء الثاني)

7 دقائق للقراءة
العميد سيف الدين فهمي الذي أُصيب في فردان

يورد نقولا ناصيف في كتابه "المكتب الثاني حاكم في الظل" نقلًا عن مذكرات غير منشورة للعماد اسكندر غانم قائد الجيش آنذاك، أنه في الساعة المحددة، توجهت 3 سيارات إلى فردان، و3 أخرى إلى صبرا تنفيذًا لخطة درست سابقًا وأجريت عليها لوقت طويل تدريبات داخل إسرائيل في أماكن مشابهة لأحياء بيروت لضمان نجاحها، وفي فردان توقفت السيارات على مسافة 50 مترًا من البناية المقصودة وخرج الكومندوس من السيارات بلباس هيبي، فلم يعترضهم حارسا المدخل لاعتقادهما أنهم يقصدون الطبقة الخامسة التي يقطن فيها مهندس للديكور اعتاد استقبال شبان وفتيات هيبيين، مع أن المسلحين المموهين بلباس الهيبيين ارتدوا معاطف طويلة تقي من المطر في ليل صحو، بينما أخفوا رشاشاتهم تحتها وصوبوا فوهاتها إلى المسؤولين الفلسطينيين داخل منازلهم بعد نسف مداخل الشقق التي يقيمون فيها، وأطلقوا النار عليهم وعلى الحارسين اللذين سارعا إلى نجدتهم، وبعد انسحابهم ركبوا سياراتهم بعد اشتباك مع الدرك أدى إلى مقتل عنصرين، وكانت هذه العملية من أدق عمليات الكومندوس التي نفذتها إسرائيل خارج أرضها تخطيطًا وتنظيمًا وتنفيذًا.

وجاء في كتاب "أسرار حرب لبنان" للصحافي ألان مينارغ، أنه عند الساعة السابعة والنصف من صباح 15 أيلول 1982، وفيما القوات الإسرائيلية تتقدم داخل بيروت الغربية إثر استشهاد الرئيس بشير الجميل، هبطت في مطار بيروت طائرة إسرائيلية من طراز "هرقليس" خرج منها وزير الدفاع أرييل شارون وعدد من معاونيه من بينهم اختصاصيان في الضربات القاسية هما: أفرام شالوم رئيس جهاز الشين بيت والجنرال أمنون ليبكنز، وكان هذا الأخير جاء إلى بيروت ليل 9 - 10 نيسان 1973، لتنفيذ عملية "أفيف نيحوريم أي ينبوع الشباب"، وكان آنذاك عضوًا في وحدة كومندوس "سايريت ماتكال"، وهذه الوحدة هي وحدة استطلاع تابعة مباشرة لرئاسة أركان الجيش الإسرائيلي، ومعدة لمواجهة كل الأمور غير المتوقعة العسكرية والمقاومة للإرهاب ولمصلحة إسرائيل، وكانت الوحدة بإمرة إيهود باراك (رئيس الوزراء الإسرائيلي لاحقًا) ونزلوا من البحر في مكان غير بعيد عن صخور برج الحمام، وشاركوا في قتل مقدَّمين في حركة فتح هما محمد النجار وكمال عدوان والناطق باسم منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك كمال ناصر.


هل كانت الشعبة الثانية تتوقع هذه العملية؟

يقول العقيد جول البستاني: كانت الشعبة الثانية وبناءً لمعلومات موثوقة توقعت بعد انتهاء "عملية ميونخ" قيام إسرائيل برد انتقامي في لبنان ورفعت بتاريخ 7 أيلول 1972 إلى قيادة أركان الجيش بطاقة تحذيرية تقترح تدابير احترازية، منها اتخاذ تدابير حماية للشخصيات الفلسطينية بتوجيه الاستخبار والأمن نحوها، وإرسال دوريات من الأمن الداخلي والأمن العام والشعبة الثانية إلى جوار مراكزها ومكاتبها ومسكنها، وبعد موافقة الأركان على التدابير المقترحة تم إبلاغ "منظمة التحرير الفلسطينية" بواسطة مكتب الارتباط العسكري، لكن فشلت كل التدابير الاحترازية بسبب إحجام "المقاومة الفلسطينية" الفعلي عن التعاون مع القوات المسلحة اللبنانية وتحرشها بدورياتها كلما اقتربت من مخيماتها ومقارها ومراكزها، ما جعل الضباط يتذمرون ويشتكون ثم يقرفون، فيهملون تنفيذ التدابير، وهذا ما حصل في فردان فعندما وصلت أول 3 سيارات من الفرقة 16 تعرض أفرادها لإطلاق رصاص من الفلسطينيين، ما أسفر عن استشهاد شرطي وإصابة 6 بينهم ضابط الدورية.

اهتزت البلاد للحادث حكومةً وشعبًا، وتعرّض بعضهم للجيش محملينه المسؤولية، وطالب رئيس الحكومة صائب سلام بإقالة قائد الجيش، لكن الرئيس فرنجية رفض تقديم أي كبش فداء قبل قيام تحقيق يحدد المسؤوليات، خصوصًا أن الغارة لم تكن مواجهة عسكرية عادية وإنما عملية شديدة الدقة والتعقيد نفذت خلال دقائق، وتقديم شخص معين كبش محرقة أمر مسيء ولا يخدم غرضًا. ويشير العقيد البستاني إلى أن وراء الحملة على الجيش كان القادة الفلسطينيون الذين حرضوا أعوانهم على تغطية إهمالهم ورفضهم المستمر التعاون الفعلي مع القوات المسلحة اللبنانية خلافًا لما كانوا يصرحون به، وتوسل بعض السياسيين كسب عطف الفلسطينيين والشارع بالمزايدة الرخيصة، وطبلت بعض الصحف معهم، وأصرّ الرئيس سلام على استقالة قائد الجيش، فوقع الطلاق بين الحليفين وقدم الرئيس سلام استقالة حكومته.


ما علاقة فيليب الخازن بما جرى تلك الليلة في فردان؟

كان موظفًا في مطار بيروت وعلى علاقة بشابة من أقباط مصر تعمل مضيفة طيران في مصر للطيران، وكانا يخططان للزواج، وكانت تصل طائرتها إلى بيروت أول المساء وتغادر صباحًا، وكانا يقضيان السهرة معًا ليعود ويوصلها إلى المطار. كانا يسهران تلك الليلة في مقهى ومعهما الملازم أول في المكافحة سيف الدين فهمي وشابان من زغرتا من آل الصيصا وبو ديب. قرابة منتصف الليل توجهوا إلى منزل فيليب في فردان لتحضر لهم الشابة المصرية طبقًا مصريًا اعتادت تقديمه لضيوف خطيبها: كان المنزل يقع في الطابق الثالث وتطل شرفته على الشارع العام.

كانت ليلة حارة فسهروا على الشرفة، وفجأة سمعوا صوت أكثر من رشق رصاص، فأسرع الملازم أول فهمي إلى الشارع في محاولة لمعرفة ماذا يجري.

كان في أسفل البناء مكتب نقليات يسمى "تي في تكسي"، فتفاجأ بالسائقين المتواجدين أمامه غير مكترثين بأصوات الرصاص، وعلى استفساره ردوا أنه على بعد أقل من 300 متر توجد مكاتب فلسطينية مسلحة وغالبًا ما يتقاتلون ويتراشقون بالأسلحة، وسرعان ما تهدأ الحالة.

عاد إلى المنزل واتصل بالرائد (العميد) نزار عبد القادر قائد المكافحة، وأخبره بما جرى فكان أول رد للرائد عبد القادر: مؤكد إنه استكمال لما جرى في مخيم ضبيه قبل ساعات قليلة، وطلب منه الاتصال بالضابط المناوب في المكافحة والبقاء حيث هو والإفادة بما يجري وسيبلغ العقيد جول بستاني.

أقفل الملازم فهمي الخط واتصل بمقر قيادته وكان رد الضابط المناوب أيضًا أن ما يحصل استكمال لما جرى قبل ساعات في مخيم ضبيه وسيقوم باللازم. عاد ورن الهاتف وكان الرائد عبد القادر الذي أبلغ الملازم فهمي أن تقدير العقيد بستاني أن ما يجري من تداعيات اشتباك مخيم ضبيه، وأنه اتصل بقوى الأمن الداخلي لإرسال دورية من الفرقة 16 طالبًا منه البقاء والإفادة.

خرج الملازم فهمي مجددًا إلى الشرفة، فأخبره رفاقه أن 3 سيارات مرت قبل لحظات مسرعة قادمة من جهة إطلاق الرصاص (كانت سيارات الكومندوس الإسرائيلي) يقول العميد فهمي: عندما سمعنا إطلاق الرصاص كان فيليب مع خطيبته في المطبخ ولو كان معنا لأخبرنا عن مكاتب الفلسطينيين وما تحركت.

عاد الهدوء، وفجأة شاهدوا على ضوء المصابيح البلدية الضعيفة يومها، شابًا يركض قادمًا من الناحية التي حصل فيها إطلاق الرصاص، كأنه هارب من أحد ما، فقال الملازم فهمي لرفاقه: أريد توقيفه لا بد أنه يعرف شيئًا ما، وسأل فيليب أن يعطيه مسدسه، وكان مع شاب زغرتاوي مسدس فركضوا إلى الشارع ليشاهدوا الشاب مر من أمام البناية، وأصبح على بعد قرابة 150 مترًا فتبعوه، وكان الملازم فهمي وفيليب الخازن رياضيين فسبقا رفيقيهما، وبعد أن وصلا إلى مسافة أقل من 50 مترًا عن الشاب صرخ فيه الملازم فهمي ليتوقف. توقف الشاب وفي يده مسدس وهو يقول لهم بخوف ظاهر: "سيارة؟ أنتوا سيارة؟ وين السيارة؟".

عندما شاهد الملازم فهمي وفيليب المسدس مع الشاب الغريب توقفا وأخفى الملازم فهمي مسدسه خلف ظهره، كما توقف الشابان الزغرتاويان وكانا خلفهما بمسافة أقل من 50 مترًا، وعاد الشاب الغريب يسأل عن السيارة. في هذه اللحظة ظهرت سيارة أبهر ضوؤها الملازم أول فهمي وفيليب الخازن خرج منها شخص أطلق الرصاص عليهما فوقعا أرضًا وتظاهرا أنهما قتلا.

اختبأ الشابان الزغرتاويان خلف سيارة، وعندما شاهدا الشاب الغريب يتوجه للصعود إلى السيارة عاجله من يحمل المسدس بعدة رصاصات فأصابه ووقع أرضًا ووقع منه مسدسه: لم يهتم ركاب السيارة من أطلق الرصاص، فأسرعوا بحمل الشاب المصاب وانطلقوا.

على صوت الرصاص تجمع عدد من المواطنين وحملوا الملازم فهمي وفيليب الخازن إلى المستشفى العسكري حيث تبين أن اصابتهما في أقدامهما: هل ما كان مطلق النار يريد قتلهما؟ سؤال لم يحصل أحد على إجابة له.

إلى مستشفى البربير... يتبع