تدفع المجتمعات أثمانًا فادحة نتيجة سياسات قادتها العقيمة أو خياراتهم الانتحارية. تتحمّل شريحة مجتمعية واسعة المسؤولية، بنسبة معيّنة، عن تلك الاستراتيجيات الخاطئة أو المغامرات القاتلة. لماذا؟ لأنها تؤيّد وتساهم في صناعة أو ترويج الأفكار والسرديات التي تفرز حركات وتيارات معطوبة فكريًّا. وعندما تشيّد تنظيمات فاسدة نظام حكم متكاملًا بمعونة بيئتها المؤدلجة والحاقدة، تودي بتلك البيئة بالذات ومعها الشعب برمّته إلى هلاك محتوم. لا يحتاج المرء الكثير من الشهادات العلمية لكي يُدرك أن ما يزرعه إيّاه يحصد أيضًا. فمَن يرفع شعارات الحرب والثأر والموت، سيشهد الدمار والمآسي وسفك الدماء. هذا ما حصل مع الغزيين وكلّ شعوب الدول المصابة بوباء الفصائل الولائية و"الإرهاب الإسلامي" على أشكاله وأنواعه.
لفتني أخيرًا أن المدخنين الغزيين صاروا يدخنون سجائر ملفوفة من أعشاب مجففة، مثل الملوخية وأوراق الخروع، مخلوطة مع سائل النيكوتين، نظرًا إلى شحّ التبغ وارتفاع سعره. بالنسبة إلى المدمنين عصبيي المزاج، تدخين مثل هذه السجائر حاجة ملحّة وسط ظروف حياتية قاسية. ورغم أنها لا تُحدث التأثير نفسه لسجائر التبغ، فضلًا عن أن طعمها ورائحتها سيئان، كما يقول مجرّبوها، إلّا أنها تعطي المدخّن متنفسًا هو بأمسّ الحاجة إليه في ظلّ ما يعيشه من بؤس. إنه شعور مصطنع براحة موَقتة للهروب من واقع مزرٍ لا أفق لنهايته، يبدو إلى حدّ كبير شبيهًا بادعاء "الانتصار" للتملّص من هزيمة مدوّية لا حدود لقعرها.
تثبت الحقيقة أن الملوخية ليست تبغًا، كما الخسارة ليست نصرًا. لكن "المدمن" لا يكترث إلى الحقائق الدامغة طالما أنه يتعاطى مواد إدمانه الطبيعية أو العقائدية للانسحاب من واقعه الرديء إلى عالم موازٍ يتناسب مع مقاييس أوهامه السامة. قارنوا وضع قطاع غزة ما قبل هجوم 7 أكتوبر بما بعده. لم يكن القطاع قبل "طوفان الأقصى" مكانًا يجذب السيّاح بطبيعة الحال، فقد كان تحت رحمة "كارتيل إسلامية" اسمها "حماس". بيد أن الظروف دائمًا ما قد تصبح أسوأ، ولو مهما كانت الأحوال تعيسة سابقًا. أقحم يحيى السنوار ورجاله القطاع بتجربة كارثية أدّت إلى تخريبه وتشريد أهله واحتلال إسرائيل نصف مساحته مع حرّية حركة وتصرّف تترجَم باستهدافات دموية شبه يومية.
ما شهده الشرق الأوسط منذ عبور مقاتلي "حماس" نحو غلاف غزة، ليس مفاجئًا لمَن يعي موازين القوى الفعلية ويحسن قراءة التحوّلات الجيوسياسية. هناك مقولة شهيرة مفادها أنه إذا كنت ترجو المطر، فعليك الاستعداد لمواجهة الوحل أيضًا. تكمن المصيبة بأن الوليّ الفقيه وأذرعه يعوّلون على "قوّة غير مرئية" لنصرتهم متى خاضوا غمار العواصف المكلفة، من دون أي حسابات دقيقة أو قدرة على التعامل الناجع مع رياحها العاتية، أو حتى أي اكتراث لعواقبها الطاحنة على شعوب المنطقة.
تتفوّق إسرائيل علميًّا وتكنولوجيًّا وعسكريًّا على أعدائها بشكل هائل. ومع تخطيط محكم وتحضير متقن، تستغلّ هذا التميّز لتحقيق مكاسب استراتيجية ملموسة وتغيير المعادلة الإقليمية جذريًّا لمصلحتها، منطلقة من قاعدة جوهرية عنوانها "اعرف عدوّك"، الأمر الذي فشل فيه مناوئوها الذين خدعتهم بـ "الأضاليل المطمئنة"، وما زالت. بالتوازي، يمعن نظام الجمهورية الإسلامية الجريح، باضطهاد واعتقال وإعدام معارضيه خوفًا من معاودة اندلاع الثورة، في وقت يمضغ فيه أنصاره وأعداءه في الساحات المنكوبة، القات أو يدخّنون سجائر الملوخية وغيرها للترفيه عن أنفسهم ولكي يتمكّنوا من استيعاب سلسلة "إنجازات الممانعة" المذهلة التي تُعمّق حفرتهم.