ما صدر عنكم ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل محاولة واضحة لفرض تفسير أحادي للدستور اللبناني، وتحويله إلى أداة إقصاء بدل أن يكون مرجعية جامعة. القول إن “أي تواصل رسمي أو لقاء بين طرف لبناني وإسرائيلي خلال الحرب هو مخالفة دستورية موصوفة” هو ادعاء خطير، لأنه ببساطة لا يستند إلى أي نص دستوري صريح، بل إلى قراءة سياسية منحازة تخدم خيارًا واحدًا: إبقاء لبنان في حالة صراع دائم.
الدستور اللبناني، في جوهره، لا ينص على تحريم التفاوض، ولا يمنع الدولة اللبنانية من إدارة علاقاتها الخارجية بما يخدم المصلحة الوطنية العليا. بل على العكس، ينيط بالسلطة التنفيذية، ممثلة بالحكومة ورئيس الجمهورية، مسؤولية رسم السياسات الخارجية واتخاذ القرارات السيادية، بما في ذلك التفاوض، عقد الاتفاقيات، أو حتى وقف الأعمال العدائية. هل أصبح السعي إلى وقف الحرب أو تجنيب اللبنانيين مزيدًا من الدمار جريمة دستورية؟
إن توصيفكم لأي محاولة تواصل بأنها “خيانة” أو “مخالفة دستورية” هو في الحقيقة اعتداء على صلاحيات الدولة، ومصادرة لقرارها السيادي. فمن منح أي حزب، كائنًا من كان، حق احتكار تفسير الدستور أو تحديد ما هو وطني وما هو خيانة؟ وهل أصبح السلم خيارًا محرّمًا فقط لأنه لا ينسجم مع استراتيجية “المقاومة”؟
لقد شهد لبنان في مراحل سابقة محطات تفاوض واتفاقات، أبرزها اتفاق ١٧ ايار الذي أُقرّ عبر المؤسسات الدستورية قبل أن يُسقط تحت ضغط السلاح والوصاية. كما أن اتفاق الهدنة عام 1949 لم يكن خروجًا عن الدستور، بل ممارسة سيادية بامتياز.
والأهم من ذلك، كيف يمكن تجاهل سابقة حديثة وقريبة جدًا: اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل في العام ٢٠٢٢؟
هذا الاتفاق تمّ برعاية دولية، وبتفويض رسمي من الدولة اللبنانية، وبموافقة القوى السياسية كافة ضمنيًا أو صراحة، بما فيها حزب الله، الذي لم يمنعه منحه الغطاء السياسي له. فهل كان ذلك أيضًا “مخالفة دستورية موصوفة”؟ أم أن الدستور يُصبح مرنًا حين يخدم مصالحكم، وصلبًا حين يتعارض معها؟
المشكلة الحقيقية ليست في النصوص، بل في ازدواجية المعايير. فحين يتخذ الحزب قرار الحرب دون العودة إلى الدولة، لا يُطرح سؤال الدستور. وحين تُفتح جبهة الجنوب بقرار أحادي، لا يُسأل عن “التوافق الوطني”. لكن حين يُطرح خيار التهدئة أو التفاوض، فجأة يُستحضر الدستور كأداة تخوين.
إن رفضكم المسبق لأي مسار تفاوضي لا يعكس حرصًا على الدستور، بل خوفًا من فقدان ورقة القوة التي يوفّرها استمرار الصراع. فسياسة حزب الله منذ سنوات تقوم على ربط لبنان بمحاور إقليمية، وتغليب منطق السلاح على منطق الدولة، ورفض أي تسوية لا تمر عبر حساباته الخاصة. وهذا ما جعل لبنان يدفع أثمانًا باهظة، اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا.
السلام ليس خيانة، والتفاوض ليس استسلامًا. بل هما من صميم العمل السياسي، ومن أدوات حماية الشعوب. الدول القوية تفاوض من موقع قوة، والدول الضعيفة تستمر في الحروب العبثية. فإلى أي فئة تريدون أن ينتمي لبنان؟
إن ما يحتاجه اللبنانيون اليوم ليس مزيدًا من الشعارات، بل إعادة الاعتبار للدولة، لمؤسساتها، ولحقها الحصري في قرار الحرب والسلم. الدستور لا يُستخدم كسلاح سياسي، ولا يُفسَّر وفق أهواء القوى المسلحة، بل يُطبَّق كما هو: مرجعية عليا تُلزم الجميع دون استثناء.
ختامًا، إن أخطر ما في موقفكم ليس مضمونه فحسب، بل الرسالة التي يحملها: أن هناك من يضع نفسه فوق الدولة، فوق الدستور، وفوق إرادة اللبنانيين. وهذه ليست فقط مخالفة دستورية، بل تقويض فعلي لفكرة لبنان كدولة.
لبنان لا يُبنى بالسلاح وحده، ولا يُحمى برفض السلام، بل بقيام دولة قادرة، حرة، وسيدة… وهذا ما يبدو أنكم لا تريدون الاعتراف به.