في فيلمه القصير الأول "The Line" (الخطّ)، يقدّم خبير التجميل اللبناني الشهير سامر خزامي تجربة فنية جديدة، تعكس انتقالًا يبدو في الظاهر مختلفًا بين مجالَين متضادَّين، لكنه في جوهره امتداد طبيعي لرؤية إبداعية واحدة. فخزامي المعروف بلمساته الفنية في عالم الجمال، لا يضع نفسه ضمن إطار مهنيّ ضيّق بل يقدّم ذاته كفنان يسعى إلى التعبير عبر أدوات متعدّدة. تتنوّع بين الماكياج وإنتاج الأعمال الفنيّة، لكنها تصبّ جميعها في خانة واحدة هدفها ترجمة الإحساس إلى واقع ملموس.
يشكّل فيلم "The Line" تجربة بصريّة لا تتجاوز ثلاث دقائق تنتمي إلى عالم الخيال، حيث تمتزج السريالية بالرمزية في سردٍ مكثف ومؤثر. تدور القصة التي اختارها سامر خزامي لفيلمه الأول، حول فتى مختلف بطبيعته يشعر بالانفصال عن محيطه، ويتنقل بين دفء المنزل واتساع العالم الخارجي في رحلة بحث عن ذاته وما يتجاوز حدود الواقع المألوف.
تنطلق الأحداث من خطّ غامض، يبدو بمثابة كائن حيّ يقود ذاك الطفل خارج واقعه اليومي نحو اكتشاف داخليّ عميق. وخلال هذه الرحلة، يظهر أحمر الشفاه كعنصر محوريّ يتحوّل من أداة جمالية إلى رمز إبداعيّ يعكس الفردية والجرأة، ويجسّد لحظة تحرُّر تدفعه لاحتضان هويّته والانطلاق في مساره الخاص رغم الخوف والقيود.
الشريط الذي أخرجه هادي إبراهيم، شارك فيه نيكولا عودة كمنتجٍ تنفيذي، فيما أدّى دور البطولة الطفل آدم سلامة.
تعبير أوسع
لا يُنظر إلى دخول سامر خزامي عالم الأفلام كتحوّل مفاجئ، بل كنتيجة طبيعية لمسار إبداعي متكامل. فالفكرة، بحسب ما يقول خزامي لـ "نداء الوطن"، تبدأ من إحساس داخليّ يدفعه إلى البحث عن وسيلة للتعبير أيًا كانت، ومن هذا المنطلق كتعبير أوسع وأعمق عن أفكار لم يعد بالإمكان احتواؤها ضمن إطار واحد.
قرار خوض هذه التجربة لم يكن وليد لحظة محدّدة، بل نتيجة تراكم شعور داخلي بالحاجة إلى إيصال رسالة أكثر عمقًا وصدقًا. وقد تجسّد هذا الشعور في فيلم بسيط في شكله، لكنه غنيّ بالمعاني والدلالات.
خطّ ومسار
يحمل عنوان الفيلم "The Line" رمزية أساسية. يوضح خزامي أن "الخط" يمثل المسار الشخصيّ لكل إنسان، والرحلة التي تربط بين ما كان عليه وما يسعى ليصبحه. كما يعكس مفهوم الاختيار الحر والقدرة على رسم الطريق الخاص بشجاعة، من دون الخضوع لمخاوف المجهول أو لعدم وضوح المستقبل. كما يبرز "الخط" كرمز للإيمان بالمسار، حتى في حال عدم فهمه أو قبوله مِن الآخرين، في دعوة واضحة للتمسّك بالهوية الفردية والاستمرار رغم التحديات.
أما عن الرسالة من الشريط، فيشير خزامي إلى أن الفكرة المحوريّة تتمثل في عدم التخلي عن الأحلام، خاصة في ظلّ الظروف الصعبة التي يعيشها العالم اليوم. إذ يقدّم العمل تذكيرًا بأهمية التمسك بالأمل، والاستمرار في الإيمان بالقدرة على تحقيق الأحلام، رغم كل ما قد يعيق ذلك. كما يحمل الفيلم رسالة واضحة، مفادها أن الإنسان قادر على إيجاد طريقه الخاص وأن الاستسلام للواقع ليس خيارًا حتميًا.
أحمر الشفاه
لكن ماذا عن اختيار أحمر الشفاه كعنصر أساسي في الفيلم؟ يجيب خبير التجميل سامر خزامي أن الأمر لم يكن عشوائيًا، بل جاء محمّلًا بدلالات رمزية عميقة. فهو إلى جانب كونه أداة جمالية، يتحوّل في الشريط المصوّر إلى وسيلة تعبير وخلق قادرة على إحداث أثر وتغيير. كما يرمز إلى فضول الطفل الداخليّ، ذلك الدافع النقي نحو الاكتشاف والتجربة من دون خوف. ويشكّل هذا الرمز نقطة انطلاق الرحلة في الفيلم، وبداية تشكُّل الفكرة. أما في سياق أوسع، فيسعى هذا الاختيار إلى كسر الصورة النمطية المرتبطة بأحمر الشفاه، وإعادة تقديمه كرمز للحرية والشجاعة في التعبير عن الذات.
بين التجميل والصورة
خبرة سامر خزامي الطويلة في عالم التجميل، انعكست بوضوح على رؤيته المشهديّة حيث بدا الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة حاضرًا في مختلف عناصر الفيلم: من التكوين البصريّ المدروس، إلى اختيار الألوان وتناسقها، وصولًا إلى طريقة بناء الصورة وتوزيع الضوء والظلّ داخل المشاهد. وقد ساعدته خلفيّته المهنيّة على تطوير حسّ بصريّ مرهف، يقوم على ملاحظة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في التأثير العام.
كذلك، لا يمكن فصل التجربة الفنية عن المسار الشخصيّ لصاحبها، إذ تبدو الطفولة في حالة سامر خزامي عنصرًا أساسيًا في تكوين رؤيته الإبداعية والإنسانية. فالتحدّيات والصعوبات التي مرّ بها في سنواته الأولى أسهمت في تشكيل حساسية خاصّة تجاه العالم مِن حوله، وولّدت لديه قدرة أعمق على ملامسة المشاعر الإنسانية والتعبير عنها بصور صادقة ومؤثرة. ربما لهذا السبب يظهر مَيل واضح في عمله نحو البحث عن المعنى والعمق، بعيدًا من السطحية أو الشكل الخارجي فقط. ويحضر الطفل في الفيلم كصورة رمزية لهذا الجزء الداخلي الذي لا يزال حيًّا في الذاكرة والوجدان، حيث يجسّد البراءة، والدهشة، والقدرة على الحلم رغم كل الصعوبات. كما يعكس حضور الطفل رغبة في التمسّك بذاك الصوت الداخليّ النقيّ، ومنْحه مساحة للظهور والتعبير من خلال الفن. من هنا، يتحوّل هذا الفيلم القصير إلى مساحة مصالحة مع الذات، وإلى محاولة للحفاظ على الجانب الأكثر صدقًا وإنسانية داخل الإنسان مهما تقدّم به العمر أو أثقلته التجارب.
تجربة أولى ووعد
يفتح سامر خزامي في فيلم "The Line" بابًا جديدًا في مسيرته الفنية، مؤكدًا أن الإبداع لا تحدّه وسيلة واحدة، وأن الفنان الحقيقي قادر على التنقل بين مجالات مختلفة ما دام يحمل رؤية صادقة ورسالة إنسانية واضحة. فالتجربة الجديدة لا تبدو خروجًا عن مساره السابق، بقدر ما تشكّل امتدادًا طبيعيًا لشغفه بالتعبير عبر الصورة بكل أشكالها. ومن هذا المنطلق، لا يُختصر فيلم "الخط" بكونه مجرّد عمل تصويريّ قصير، بل يتجاوز ذلك ليصبح رسالة مفتوحة إلى كل من يشاهده، تدعو إلى التمسّك بالأحلام، والإيمان بالمسارات التي يختارها الإنسان لنفسه، مهما بدت غامضة أو صعبة. كما يشجّع على المضي في الرحلة الشخصية بثقة وشجاعة، من دون خوف من المجهول أو من أحكام الآخرين.