طارق أبو زينب

الإمارات تواجه "الشبكات الإيرانية" بمقاربة حاسمة

4 دقائق للقراءة
لأبوظبي شبكة علاقات دولية واسعة (رويترز)

في مشهد أمني يعكس تحولات عميقة في طبيعة التهديدات غير التقليدية، برزت أخيرًا تطورات لافتة في الإمارات العربية المتحدة، حيث فكّكت شبكتين مرتبطتين بإيران وبأنشطة سرّية ذات طابع تخريبي خلال فترة زمنية قصيرة. هذه الوقائع لا تبدو معزولة، بل تندرج ضمن سياق أوسع يرتبط باستراتيجية طويلة الأمد تعتمدها طهران لتوسيع نفوذها خارج الحدود عبر أدوات غير مباشرة تستهدف البنى الاجتماعية والاقتصادية والفكرية في دول الخليج العربي. وتأتي هذه التطورات في لحظة إقليمية تشهد إعادة تشكيل لمعادلات الأمن غير التقليدي، حيث تتداخل أدوات النفوذ غير المباشر مع التحولات السياسية والاقتصادية، ما يجعل ملف الاختراق الداخلي أحد أبرز تحديات الأمن الإقليمي في المرحلة الراهنة .

وفق معطيات تحليلية وميدانية، تعتمد هذه المقاربة على نهج تدريجي يقوم على بناء نفوذ صامت داخل المجتمعات المستهدفة بعيدًا من المواجهة المباشرة. يتمثل المسار الأول في البعد الديني الثقافي عبر توظيف الخطاب المذهبي ونشر منظومات فكرية مرتبطة بولاية الفقيه، فيما يتمثل المسار الثاني في البعد الاقتصادي من خلال شركات وواجهات واستثمارات تُستخدم كغطاء لاختراق البنية الاقتصادية. أما المسار الثالث فيرتبط بنشاط أمني غير معلن يقوم على بناء شبكات محلّية قابلة للتفعيل عند الحاجة.

هذا التدرّج يجعل المشروع أكثر تعقيدًا، إذ يبدأ كتأثير فكري ناعم ثمّ يتطور إلى حضور اجتماعي وصولًا إلى نفوذ سياسي وأمني متقدّم. لا يقتصر هذا النمط من التهديدات على البعد العقائدي، بل يتقاطع في بعض الحالات مع تنظيمات أخرى في إطار تداخل المصالح وتوظيف الدين كأداة نفوذ عابر للحدود. وتشير تجارب العراق واليمن ولبنان إلى أن هذا النوع من المشاريع عندما يتجذر يؤدي إلى إضعاف الدولة وتفكيك مؤسساتها ويفتح المجال أمام صراعات داخلية ممتدة.

لم يعد هذا النموذج نظريًا، بل تجسد في ساحات عدة. في لبنان، يمثل "حزب الله" نموذجًا لدمج الأيديولوجيا بالبنية العسكرية والتنظيمية، ما أفرز قوة أمر واقع تتجاوز مؤسسات الدولة. وفي اليمن، يقدّم الحوثيون نموذجًا آخر لتحويل النفوذ العقائدي إلى سيطرة ميدانية مباشرة، ما يعزز المخاوف من تكرار السيناريو ذاته في بيئات مستقرّة.

تدرك دول الخليج العربي، وفي مقدّمها الإمارات، طبيعة هذا التهديد المركّب، ما يفسّر تشديد الإجراءات الأمنية وتوسيع نطاق المواجهة ليشمل البعد الفكري والاقتصادي. وتشمل هذه الجهود مراقبة النشاطات المشبوهة والتصدّي لمحاولات الاختراق وتعزيز الوعي المجتمعي. في هذا السياق، نفذت الإمارات عمليتين أمنيتين نوعيتين في آذار ونيسان. فقد فكّكت الأجهزة الأمنية خلية استخدمت واجهات تجارية وهمية لاختراق الاقتصاد الوطني وتهديد الاستقرار المالي. كما فكّكت تنظيمًا سرّيًا يضمّ 27 عنصرًا تورّط في نشر فكر متطرّف واستهداف الوحدة الوطنية والتخطيط لأعمال تخريبية.

كشفت التحقيقات أن عناصر التنظيم جندوا شخصيات مؤثرة إعلاميًا ورجال دين وأصحاب مؤسسات تجارية بهدف استقطاب الشباب نحو ولاءات خارجية. كما جرى جمع أموال بطرق غير رسمية وتحويلها إلى الخارج لبناء منظومة تمويل موازية، ما يعكس مستوى عاليًا من التنظيم ويؤكد أن التهديد لم يعد فرديًا، بل صار جزءًا من مشروع متعدّد الأبعاد. تظهر هذه التطورات أن التهديدات لم تعد مباشرة، بل أصبحت قائمة على التسلّل البطيء وبناء النفوذ من الداخل. وفي ظلّ استمرار استخدام الأدوات غير المباشرة، تبدو المواجهة طويلة المدى وتتطلّب يقظة أمنية وتحصينًا فكريًا ومجتمعيًا.

وفي هذا الإطار، تبرز كفاءة الأجهزة الأمنية الإماراتية التي أثبتت قدرة استباقية في الرصد والتفكيك. ولا تمثل العمليات الأخيرة نهاية هذا المسار، بل تكشف جزءًا من شبكة أوسع تتحرّك في الظلّ حيث تتقاطع السياسة بالعقيدة، والأمن بالاقتصاد. كما تشير المعطيات إلى أن ما كُشف قد لا يكون سوى الجزء الظاهر من منظومة تعمل خارج دائرة الضوء، ما يعكس تصاعد أهمية الأمن الوقائي والتكامل بين العمل الأمني والتحليل الاستخباراتي، في ظلّ صراع لم يعد جغرافيًا فقط، بل يمتدّ إلى الوعي والاقتصاد والهويات، ما يفرض مقاربات أكثر مرونة لضمان الاستقرار.