يستند الزاعمون أن إسرائيل يحرّكها مشروع "إسرائيل الكبرى" إلى عبارة وردت في العهد القديم هي وعد من اللّه لإبراهيم بأن "لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ". هذا الوعد الإلهيّ يعني بجغرافيا اليوم السياسيّة دول مصر، والسعوديّة، ولبنان، والأردن، وسوريا، والعراق، والأراضي الفلسطينيّة، فضلًا عن إسرائيل نفسها. طبيعي أن يثير مفهوم "إسرائيل الكبرى" قلقًا في المنطقة، لا سيّما أن الأداء العسكري الإسرائيلي ينتقل منذ عقود من نصر لآخر.
مع ذلك، البناء على سرديّة "إسرائيل الكبرى" لتبرير الحرب الأبديّة مع إسرائيل، أي الصراع الدائم الذي استهوى القوميّين العرب في ما مضى، ولاحقًا الإسلاميّين، ضرب جنون مطبق. ذلك أن عبارة وردت في العهد القديم لا تعني أن دولة إسرائيل اليوم يحرّكها حكمًا هذا النوع من الأيديولوجيا التوسّعيّة. يمكن التذكير هنا بأن بالعهد القديم جاء أيضًا وعد إلهي أقلّ سخاء إن صحّ التعبير: "وأعطي لك ولنسلك بعدك أرض غربتك، كلّ أرض كنعان ملكًا أبديًا. وأكون إلههم". وأرض كنعان هذه تمتدّ "من دان إلى بئر السبع" أي عمليًّا اليوم من الجليل في شمال إسرائيل إلى جنوبها. وهذا التفسير لـ "أرض الميعاد" مختلف جدًّا عن اعتبارها ممتدّة من النيل إلى الفرات، مع العلم أن عبارة "نهر مصر" لا تعني بالضرورة النيل وربّما يكون المقصود فيها وادي العريش باعتباره الأرض الفاصلة بين كنعان ومصر القديمة.
الأكيد عمومًا هو هذا: منذ قامت الحركة الصهيونيّة بالقرن التاسع عشر إلى يومنا، لا توجد فيها قوّة جديّة تتبنى طرح "إسرائيل الكبرى" من النهر إلى النهر. ولا دولة إسرائيل تتبناه. قناعة الجمهور الشيعي الممانع أن "إسرائيل الكبرى" مشروع حقيقي هذيان يحرّكه ليس أكثر.
هل يعني هذا أن فكرة "إسرائيل الكبرى" لا وجود لها مطلقًا بالتفكير الصهيونيّ؟ الجواب حمّال أوجه. بالحقيقة، قال زئيف جابوتنسكي، وهو مفكّر وناشط صهيوني يمكن اعتباره بمثابة أب اليمين الإسرائيلي زمن الانتداب البريطاني، بـ "إسرائيل الكبرى" ككيان يشمل ضفتي النهر، أي فلسطين والأردن معًا.
بقي تلامذة جابوتنسكي على هامش سياسة إسرائيل لعقود، حتى قادهم رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحيم بيغن إلى السلطة عام 1977. وبدوره كان بيغن ملتزمًا بشكل من أشكال "إسرائيل الكبرى"، ولكنها عنت بالنسبة له الضفة الغربية وغزة، فضلًا طبعًا عن أراضي إسرائيل المعترف بها دوليًّا أي حدود ما قبل حرب الـ 1967. بخلاف مشروع جابوتنسكي القديم، خرج الأردن من صورة "إسرائيل الكبرى" مع بيغن. بالحقيقة، كان حليف بيغن آرييل شارون يتمنى أن ينتقل الفلسطينيّون إلى الأردن ويبنوا لهم دولة على أنقاض الحكم الهاشمي هناك، على أن يتوسّع الاستيطان الإسرائيلي بسهولة في الضفة بعدها.
غزو لبنان عام 1982 كان دافعه الحقيقي تثبيث قبضة إسرائيل على الأراضي الفلسطينيّة بعد كسر منظمة التحرير واستبدالها في الضفة بوجهاء محليّين مطواعين. ولكن لبنان بذاته لم يكن هدفًا للتوسّع الجغرافي الإسرائيلي آنذاك. وليس بدون معنى أن إسرائيل لم تبن مستوطنة في لبنان رغم سنوات طويلة بقي جيشها فيه. ولو قبل حافظ الأسد مبدأ الانسحاب المتزامن مع الجيش الإسرائيلي لتخلّص لبنان عام 1982 من القوى الأجنبيّة الثلاث على أرضه يومها، عنيت الإسرائيليّين، والسوريّين، والفلسطينيّين. لم يحصل ذلك، وتمّ ذبح لبنان كرمى لحافظ الأسد، ولاحقًا إيران. وكأيّ كذبة كبيرة احتاج احتلال سوريا بلادنا، ولاحقًا هيمنة إيران، لمسوّغ نظري. من هنا خرافة أن إسرائيل تسعى لتحقيق "إسرائيل الكبرى"، وأن "المقاومة" ضروريّة لردعها.
ولا يعني ما سبق أن انسحاب إسرائيل اليوم من قرى الخطّ الأصفر سيكون سهلًا أو أكيدًا. ولكنّ القصد أن ما يحرّك إسرائيل بتعاطيها مع بلادنا هو المعطى الأمني، أي حاجتها لمنع الهجمات عليها انطلاقًا من أراضينا، وليس المعطى الأيديولوجي، أي مشروع "إسرائيل الكبرى" المزعوم.