ريتا عازار

"حرب المعلومات" لدافيد كولون: من الجيوش إلى العقول

6 دقائق للقراءة
الباحث دافيد كولون

ما يلفت في كتاب الباحث الفرنسي دافيد كولون "حرب المعلومات: كيف تسيطر الدول على عقولنا" (ترجمة أدونيس سالم، "دار نوفل - هاشيت أنطوان"، 2025) ليس فقط توصيفه لِتغيُّر الحروب، بل اقتراحه أن ما نسمّيه صراعًا لم يعد يبدأ من الميدان أصلًا. قبل أي مواجهة، تكون المعركة قد تشكّلت في طريقة فهمنا للأحداث. لم تعد المعلومات عنصرًا مرافقًا للحرب، بل أصبحت الوسط الذي تُدار فيه، بحيث يصبح التحكم في التفسير شرطًا للتأثير في النتائج. هذا التحوُّل لا يقتصر على الأدوات، بل يطال معنى الحرب نفسه. لم يعد الهدف هزيمة الخصم عسكريًا بقدر ما أصبح التأثير في إدراكه للواقع، بحيث يتخذ مواقف تخدم الطرف الآخر من دون وعي كامل بذلك، وهو ما يجعل حدود السِّلم والحرب أقلّ وضوحًا مما كانت عليه سابقًا.

تحوُّل القوّة

لم يعد السؤال يدور حول من يملك القوة الأكبر فقط، بل حول من يفرض تفسيره لِما يحدث. خلال القرن العشرين، احتكرت الدول تدفق المعلومات كما احتكرت العنف، لكن هذا الاحتكار تراجع مع تطور وسائل الاتصال وظهور فاعلين جدد خارج الإطار التقليدي، مثل الشركات والمنصّات الرقمية والجماعات العابرة للحدود.

هنا، تصبح إدارة "البيئة المعلوماتيّة" جزءًا أساسيًا من القوّة لا بوصفها أداة دعائية، بل كشرط سابق لأيّ فعل سياسي أو عسكري. ومنذ التسعينات، تزايد إدراك الدول لإمكانية تحقيق أهداف استراتيجية عبر التأثير المعلوماتي، أحيانًا من دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة. هذه القدرة تمنحها هامش حركة أوسع، وتخفف كلفة الصراع، وتقلّص تبعاته العلنيّة، كما تتيح العمل في مناطق رماديّة يصعب إخضاعها للمساءلة.

حين تصنع الرواية الحرب

يقدّم الكتاب مثالًا كاشفًا خلال "حرب الخليج" عن شهادة فتاة كويتية أمام "الكونغرس الأميركي"، تحدثت فيها عن جنود عراقيّين ينتزعون الأطفال من الحاضنات، لعبت دورًا حاسمًا في تعبئة الرأي العام لدعم التدخل العسكري. غير أن هذه الرواية تبيّن لاحقًا أنها محلّ تشكيك واسع، إذ ارتبطت بحملة علاقات عامة مُنظمة.

ما يكشفه هذا المثال يتجاوز مجرّد خطأ في نقل الوقائع، إنه يوضح آليّة متكامِلة تقوم على صناعة قصّة مؤثرة، ثمّ تضخيمها إعلاميًّا، قبل تحويلها إلى أداة ضغط سياسي. كما يُبيِّن أن التأثير لا يعتمد فقط على صدقيّة المعلومة بل على قدرتها على إثارة العاطفة، إذ يمتلك المحتوى الذي يحرّك الخوف أو التعاطف قابلية أكبر للانتشار، ما يمنحه وزنًا سياسيًّا يفوق دقته.

الإعلام بين البُنية والتوجيه

لا يتطلب التأثير دائمًا أخبارًا كاذبة. في كثير من الأحيان، يكفي الاعتماد على مصادر محدودة، خاصة في أوقات الأزمات، لإنتاج رواية تبدو متماسكة وكاملة. المشكلة هنا ليست في ما يُقال فقط، بل في ما يُستبعد. هذا الانتقاء، حتى دون قصد، يساهم في تشكيل تصوُّر مُعيّن للواقع. ومع تسارع دَورة الأخبار يتراجع التحقق لصالح السرعة، ما يسمح بترسّخ معلومات غير دقيقة حتى بعد تصحيحها، إذ غالبًا ما يصل التصحيح متأخرًا وبانتشار أضعف من الخبر الأول.

مع الرقمنة، توسّعت ساحة الصراع لتشمل "الفضاء المعلوماتي"، الذي يضمّ الشبكات والبرمجيّات والمحتوى والتفاعلات الاجتماعية. هذا الفضاء لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يُتيح التلاعب بها ونشرها بسرعة غير مسبوقة، ما يجعل تأثيرها أعمق وأكثر انتشارًا. كما تلعب الخوارزميّات دَورًا حاسمًا في هذا السياق، إذ تعيد ترتيب أولويات ما نراه، فتمنح الأفضليّة لِما يثير التفاعل لا لِما يقدّم الفهم، وهو ما يعيد تشكيل الوعي بشكل غير مباشر وتراكمي. كما يبيّن كولون أن هذا الفضاء يمنح حتى القوى الصغيرة أو الجهات غير الحكومية قدرة على التأثير في دول كبرى، ما يخلق نوعًا جديدًا من عدم التوازن في العلاقات الدولية.

"حرب الشبكات" والجمهور

ويميّز كولون، استنادًا إلى أعمال John Arquilla وDavid Ronfeldt، بين الحرب التقليدية ونمط جديد من الصراعات يدور داخل المجتمعات نفسها عبر الإعلام والإنترنت، ويستهدف القناعات والهويات. في هذا السياق، لا يكون الهدف تدمير العدو بل إرباكه وتشتيت إدراكه وزعزعة ثقته بنفسه. وهكذا تتغيّر طبيعة الانتصار، فلم يعد يقاس بالسيطرة على الأرض، بل بالقدرة على فرض تفسير للواقع.

لم يعد الجمهور متلقيًا فقط، بل أصبح فاعلًا في إنتاج المعلومات وتداولها. هذه المشاركة تمنح الأفراد قوّة غير مسبوقة، لكنها تجعلهم في الوقت نفسه جزءًا من منظومة التأثير. وحين يعيد آلاف الأشخاص نشر معلومة غير دقيقة، فإنهم لا ينقلونها فقط، بل يضفون عليها شرعيّة. وهكذا تتحوّل حرب المعلومات إلى ظاهرة جماعية تشمل المجتمع بأكمله. هذا التداخل بين المُنتِج والمُتلقي يخلق ما يمكن تسميته "عدوى معلوماتية"، حيث تنتشر الأفكار ليس لقوتها، بل لكثرة تداولها.

مفارقة الديمقراطية

تكشف هذه التحولات عن مفارقة أساسية، فالانفتاح الذي تقوم عليه الديمقراطيات يجعلها أكثر عرضة لحملات التأثير، في حين تعتمد الأنظمة الاستبدادية على السيطرة الصارمة على الفضاء المعلوماتي، ما يمنحها قدرة أكبر على توجيه الرواية داخليًا. لكن هذا التفوّق الظاهريّ يخفي ضعفًا من نوع آخر، إذ إن التحكم المفرط في المعلومات يقوّض الثقة على المدى الطويل.

مع ذلك، لا يخلو طرح كولون من قدْر من المبالغة في تصوير قوّة التأثير المعلوماتي، فاعتبار الأفراد مجرّد ضحايا للتلاعب يغفل أن الجمهور ليس كتلة سلبيّة بالكامل، بل يمتلك بدرجات متفاوتة قدرة على الشك والمقاومة وإعادة التأويل. كما أن التركيز على دَور الدُّول قد يقلّل من تعقيد المشهد، حيث تتداخل عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية لا يمكن اختزالها في استراتيجيات موجّهة. بعبارة أخرى، لا تفسّر حرب المعلومات كلّ شيء، حتى وإن أصبحت إطارًا مهمًّا لفهم جزء كبير ممّا يحدث.

الحقيقة في زمن الصراع

في هذا العالم، لم تعد المشكلة في نقص المعلومات، بل في فائضها. هذا الفائض لا يؤدّي بالضرورة إلى معرفة أفضل، بل قد يخلق ارتباكًا دائمًا. وبين التصديق المطلق والشك الكامل تضيع القدرة على التمييز، وتصبح المعركة الحقيقية مرتبطة بِمن يملك القدرة على تعريف الحقيقة وإقناع الآخرين بها. ومع تزايد هذا التشويش، تتحوَّل الثقة إلى مورد نادر، لا يقلّ أهميّة عن المعلومة، بل يسبقها أحيانًا في تحديد ما يُصدَّق وما يُرفَض.

لا يمكن التعامل مع هذه الظاهرة عبر الرقابة أو التكنولوجيا وحدهما. المسألة تتعلّق ببناء قدرة نقديّة لدى الأفراد، تقوم على فهم آليات التأثير والتحقق من المصادر والتمييز بين الخبر والرواية. وكما يُبيِّن دافيد كولون، نحن أمام واقع لا تتدفق فيه المعلومات فقط، بل تُستخدم فيه كأداة قوة. لذلك، لا يكون التحدّي في الوصول إلى الحقيقة فحسب، بل في الحفاظ على شروط تحققها داخل فضاء مزدحم ومفتوح على تنافس دائم، حيث يصبح الانتباه نفسه موردًا نادرًا.



من هو دافيد كولون؟

أستاذ في "معهد العلوم السياسية" في باريس حيث يُدرِّس تاريخ الدعاية وتقنيّات الإقناع، وباحث في "مركز تاريخ العلوم السياسية (CHSP)". حاز "جائزة أكروبوليس" عام 2019، و "جائزة جاك إلول" لعام 2020 عن كتابه السابق حول تلاعب البروباغندا السياسية في الجماهير: "Propagande, la manipulation de masse dans le monde contemporain".



غلاف الكتاب