الدكتور سايد حرقص

هل يحنّ جنبلاط إلى الماضي؟ أم يخشى من المجهول القادم؟

5 دقائق للقراءة

في لحظةٍ مثقلةٍ بالتحوّلات، تعود حركة وليد بيك جنبلاط لتثير أكثر من سؤال. فالمعلومات المتقاطعة التي تشير إلى قراره الواضح بالتموضع إلى جانب رفيق الصبا، رئيس مجلس النواب نبيه بري، ومحاولة تقرّبه من الرئيس السوري الجديد، لا تبدو مجرّد تقاطع مصالح عابر، بل أقرب إلى استعادةٍ لذاكرةٍ سياسية تعود إلى زمن انتفاضة 6 شباط 1984 ضد عهد الرئيس أمين الجميل. يومها، لم يكن تحالف جنبلاط - بري تحت قيادة الرئيس السوري حافظ الأسد خياراً تكتيكياً، بل تعبيراً عن تحالف قوى استراتيجي غيّر مسار التاريخ اللبناني، وأعاد رسم المشهد بشكلٍ لم يتوقّعه المحلّلون.

اليوم، يبدو أن جنبلاط، في خريف عمره، يستعيد في الظاهر زمن الشباب، ولكن بأسلوب حذر ومتدرّج. فهو لا يقفز إلى التموضع الجديد دفعة واحدة، بل ينزلق نحوه ببطء، كمن يختبر صلابة الأرض قبل أن يخطو عليها. هذا الأسلوب يمنحه القدرة على إعادة التموضع من دون كسر الجسور، في محاولة لإرسال إشارات متعدّدة الاتجاهات في آن واحد.

فمنذ بداياته، تنقّل جنبلاط بين محاور متناقضة: من انفتاحه على الاتحاد السوفيتي واستفادته من دعمه العسكري المعطوف على آلاف المنح الدراسية في الثمانينيات، إلى تحوّلاته اللاحقة التي بلغت ذروتها خلال ثورة الأرز، حين أعاد تموضعه في قلب المعادلة الداخلية لدرجة أنه تمنى أن يكون زبالاً في نيويورك.

لكنّ التحوّلات الإقليمية الراهنة لم تعد مجرّد عامل ضغط عابر، بل تحوّلت إلى قوة دافعة تعيد رسم حدود خياراته السياسية. فالتصعيد المتنامي بين إسرائيل وأميركا من جهة وإيران وأذرعها من جهة أخرى، إلى جانب بروز تيارات درزية تتماهى مع الدولة العبرية، كلّها عناصر تضعه أمام اختبار غير مسبوق، يتجاوز الحسابات التقليدية إلى أسئلة الهوية والدور والمصير.

من هنا، لا تبدو أفكار الشيخ طريف مجرّد اختلاف في الرأي، بل تحدّياً مباشراً لمرتكزات الفكر العروبي السياسي الذي شكّل جوهر مشروع آل جنبلاط، منذ أن أعاد العثمانيون تشكيل البنية القيادية للطائفة الدرزية عبر إزاحة زعامات المعنيين والتنوخيين، وتكريس آل جنبلاط في موقع القيادة.

هكذا، يتحوّل الصراع بالنسبة لوليد بيك جنبلاط من خلاف سياسي ظرفي إلى مواجهة بين رؤيتين متناقضتين للهوية والدور، في لحظة إقليمية معقدة تهدد بزلزال مخيف يزيل أسس قلاع بناها العثمانيون، واعتقد الجميع أنها باتت جزءاً من تاريخ أبدي لا ينتهي.

هنا، يصبح الخوف من التغيير عاملاً حاسماً، لأنه يهزّ أسس هيكل قلعة الزعامة الجنبلاطية. فجنبلاط، يدرك أن التحوّلات العميقة قد تطيح بتوازنات تاريخية صمدت لأكثر من قرنين. ومن هذا المنطلق، لا يبدو سلوكه مجرّد حنين إلى الماضي، بل خوفاً من انهيار الزعامة التاريخية من جذورها. من هنا تبدو حركته محاولة استباقية لمنع انهيار “الدومينو” السياسي، الذي قد يفتح الباب أمام قوى وأفكار جديدة للوصول إلى عقل ووجدان دروز جبل لبنان.

تاريخياً، استفاد جنبلاط من تقاطع عوامل داخلية وخارجية: من التوتر بين إسرائيل والقوى المسيحية بعد رفض الرئيس أمين الجميل توقيع اتفاق 17 أيار، إلى طموحات حافظ الأسد لاستعادة هيبته بعد هزيمة جيشه في لبنان وثورة الإخوان المسلمين في سوريا، وصولاً إلى حاجة منظمة التحرير الفلسطينية لاستعادة المبادرة بعد خروجها المذل من بيروت. هذه العوامل مجتمعة ساهمت في ترسيخ نفوذه داخل البيئة الدرزية بعد تهجير المسيحيين من جبل لبنان.

داخلياً، لا يبدو أن خيار التموضع الجديد سيمرّ من دون أثمان، حتى ضمن المجتمع الدرزي نفسه. ففرضه داخل الحزب التقدمي الاشتراكي يعني كسر بعض التوازنات الداخلية، خاصة في ظل ذاكرة أحداث 7 أيار 2008 التي لا تزال حاضرة في الوجدان الدرزي، إلى جانب التأثير النفسي للأحداث الجارية في السويداء على المزاج الدرزي العام.

أما خارجياً، فإن أي انتصار للتحالف الأميركي - الإسرائيلي على المحور الإيراني سيضع جنبلاط وسلالته في موقف حرج، لأن تيار الشيخ موفق طريف، المدعوم إسرائيلياً، سيدق أبواب المختارة مهدِّداً الزعامة والأسس العروبية التي تغنّى بها آل جنبلاط، في وقت يعاني فيه، من جهة، حليفه التاريخي الأستاذ نبيه بري من شلل في الحركة نتيجة مغامرات حزب الله، ومن جهة أخرى تختلف استراتيجيات الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع عن طموحات حافظ الأسد.

المفارقة أن الرجل الذي لطالما قال إن “التاريخ يكرر نفسه”، لا يتعامل مع هذه المقولة كحنين رومانسي، بل كأداة تحليل. فهو لا يعود إلى الماضي ليستعيده، بل ليستخرجه كخريطة طريق يعتقد أنها قد تصلح للحاضر.

فهل نحن أمام تكرار فعلي لزمن تحالفات وثورات الثمانينيات؟ أم أن التغييرات الكبرى قد تنقل لبنان إلى زمن لا يشبه ماضيه وحاضره وتاريخه بأي شكل من الأشكال؟

المؤكد اليوم أن “بيك المختارة” يتحرّك بدافع مزيج معقّد من الحذر والذاكرة والخوف من تحوّلات كبرى قد تعيد رسم التوازنات التي صمدت طويلاً في وجه تغيّرات التاريخ.