إلسي يحشوشي

المفاوضات ليست استسلامًا… بل شجاعة دولة

3 دقائق للقراءة

في لحظات التوتر، يعلو صوت الرفض على صوت المنطق. رفضٌ سريع وغاضب، يريح العاطفة… لكنه لا ينهي أزمة ولا يبني دولة.

اليوم، حين تختار الدولة اللبنانية طريق المفاوضات، لا تختار الأسهل، بل الأكثر كلفة سياسيًا وشعبيًا. لأن التفاوض، وبعكس الشعارات، يحتاج إلى عقل بارد في بيئة مشتعلة.

وبالعودة إلى التاريخ نقف أمام حقيقة لا يحب كثيرون الاعتراف بها: لبنان لم يكن يومًا بعيدًا عن الصراعات، لا مع قوى إقليمية ولا مع دول كبرى. لقد عشنا احتلالات، وواجهنا حروبًا، ودفعنا أثمانًا باهظة. ومع ذلك، نجد أنفسنا اليوم أمام واقع مختلف: دولٌ كانت يومًا جزءًا من صراعنا، كـسوريا وفرنسا، أصبحت اليوم دولًا تجمعنا بها علاقات وثيقة.

فكيف استطاعت الدولة اللبنانية تجاوز التاريخ والمضي قدمًا نحو التعاون السياسي والإقتصادي؟

ببساطة، لأنّ الدول لا تُدار بمنطق الذاكرة، بل بمنطق المصلحة العامة. وهذا لا يعني نسيان الدم أو القفز فوق الجراح، بل إدراك أن الأمن والاستقرار يتطلبان أحيانًا قرارات غير شعبية، لكنها ضرورية.

المفاوضات، في جوهرها، ليست استسلامًا بل وسيلة لحماية ما تبقّى ومنع الأسوأ. هي فرصة لالتقاط أنفاس الاقتصاد واستعادة دور المؤسسات، وصولًا إلى أمنٍ اجتماعي وسياسي وجغرافي.

وما البديل ؟ غالبًا فوضى مفتوحة وانهيار أعمق. وهنا السؤال الحقيقي: هل نريد موقفًا يرضي الشعور اللحظي، أم قرارًا يحمي المستقبل؟

قرار التفاوض من أصعب القرارات التي يمكن أن تتخذها أي دولة. يُساء فهمه بسهولة، يُستغل سياسيًا، ويُحمَّل أكثر مما يحتمل. لكنه، في الوقت نفسه، اختبار قدرة الدولة على تحويل القول إلى فعل.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى إعادة تعريف أولوياته: السيادة، الاقتصاد، والأمن. وهذه الثلاثية لا تُبنى بالخطاب وحده، بل بخيارات واقعية، حتى لو كانت غير مريحة.

ولعلّ التجربة الأوروبية تقدّم مثالًا صارخًا لمن يريد أن يرى أبعد من اللحظة. فبعد أن غرقت قارةٌ بأكملها في حربين عالميتين، حصدتا ملايين الضحايا ودمّرتا مدنًا بأكملها، لم تجد طريقها إلى الاستقرار عبر استمرار الصراع، بل عبر قرار شجاع بالتحوّل: من ساحات قتال إلى طاولة تعاون.

لم يكن الطريق سهلًا، لكن الدول الأوروبية اختارت أن تُدير مصالحها بعقلانية، فبنت شراكات اقتصادية وسياسية تدريجية، وصولًا إلى الاتحاد الأوروبي.

هذا النموذج ليس استثناءً، بل دليل واضح على أن الحلول السياسية المتحضّرة هي التي تصنع ازدهار الدول، فيما الحروب لا تورّث إلا الألم والدمار.

الخيانة ليست في التفاوض. الخيانة الحقيقية هي في توريث الأجيال القادمة ذاكرة مثقلة بالدم، واقتصادًا منهكًا، ودولة عاجزة.

الخيانة أن نسمح بأن تبقى بيروت، التي كانت يومًا لؤلؤة الشرق، ساحةً لصراعات الآخرين، بدل أن تكون مساحة للحياة، والاقتصاد، والانفتاح.

المفاوضات ليست استسلامًا، بل شجاعة في مواجهة تاريخٍ كاد يبتلع مستقبل لبنان.