د. أنطوان مسرّه

دبلوماسية الدولة اللبنانية وشرعيتها في واقع احتلالين!

6 دقائق للقراءة

إن تسمية الأمور بأسمائها هي المدخل في التشخيص والتحليل والمعالجة. هذا ما يفتقر إليه غالبًا لبنانيون وأكاديميون يعتمدون التطريز حول خطاب السوق بدلا من التفكير، والتفكّر حسب تعبير القرآن. يقول Albert Camus: "إن الالتباس في تسمية الأشياء يزيد من مصائب العالم".

لبنان الدولة هو في حالة احتلالين: احتلال فارسي "أخوي" مدعوم بدولة رديفة في لبنان ذات تسلّح وتمويل خارجي وواقع احتلال "عدائي" إسرائيلي، حسب توصيفات لبنانية في "حوارات موسمية"، حسب تعبير عالم الاجتماع الكبير ملحم شاوول "ومعليشية" لبنانية وتموضع وتذاكٍ وتكاذب...!

ماذا تفعل الدولة اللبنانية الرسمية ذات الوظائف الملكية السيادية في هذا الواقع بالنسبة إلى اللبنانيين وأيضًا بالنسبة إلى الدبلوماسية العالمية؟  ما حصل في المرحلة الأخيرة بعد انكشاف مختلف أوراق التوت هو ممارسة دبلوماسية الدولة قرارها السيادي بشأن السفير الإيراني في لبنان.

في ما يتعلق بالجيش اللبناني الذي يتعرض للتشكيك من قبل لبنانيين وجهات خارجية، الحاجة إلى التمييز بين احتلال "أخوي" فارسي واحتلال "عدائي" إسرائيلي، حسب منمطات ذهنية لبنانية سائدة. يظهر هذا التمييز مجالات المواجهة داخليًا وأيضًا حدودها خارجيًا.

1. سلاح الموقف: قد يغني غالبًا سلاح الموقف عن السلاح العسكري في ما يتعلق بالداخل اللبناني في واقع تقسيمي مستحيل بين دولة رسمية ودولة رديفة ذات تسلّح وتمويل خارجي. يعاني لبنان مرحلة استقلالية تتطلب انتفاضة داعمة للدولة في مركزيتها ووحدانيتها. عرف لبنان في أنتروبولوجيا التاريخ مراحل عريقة في تاريخه الاستقلالي.

اتعظت سنية سياسية لبنانية من الاختبار التاريخي وعمّمت توبة قومية رادعة وثابتة تجاه أي باب عالٍ. أما شيعية سياسية، وأيضًا مارونية سياسية (ولا نقول اطلاقًا الشيعة والموارنة ولا عظماء الآباء المؤسسين من كل المذاهب) فهل يمارسون اليوم يقظة وطنية عارمة على نمط اختبارات استقلالية لبنانية منذ 1920؟

تنبع مصيبة لبنان طوال حوالى نصف قرن من اتفاقية قاهرة سنة 1969 وتداعياتها دعمًا لقضية فلسطينية، ثم اتفاقية قاهرة متجددة في 6/2/2006 وكوارثها ليس لقضية بل للوصول إلى رئاسة جمهورية ورئاسة دولة بدون جمهورية ولا دولة.

يرد بوضوح تام، وذات طابع رسمي عام، توصيف الدبلوماسية الخارجية اللبنانية الرسمية للمقاومة في اجتماع وزير خارجية لبنان فارس بويز مع الجنرال تروند فورهوفد، قائد القوة الدولية في جنوب لبنان، في 3/8/1991، يرافقه المستشار السياسي لقيادة القوة الدولية نيقولاي كولوف وعدد من الضباط الدوليين. التوصيف الرسمي للمقاومة الوطنية في لبنان يحدّده الوزير فارس بويز في تلفزيون لبنان وفي هذا الظرف الدبلوماسي بالذات:

"إن كلمة مقاومة تعني أولا شعبًا بكامله، تعني دولة (...). لا مبرر لعملية عسكرية من دون هدف سياسي. من هنا فإن أي عملية لا تتناسب مع الطرح السياسي للدولة التي هي الممثل الشرعي للشعب لا تخدم القضية.

من هنا أيضًا فإن أي عمل أو أداء عسكري يجب أن يتناغم ويتناسب مع - ويشارك في - حالة مقاومة وطنية عامة تتجسد في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية. فليست هناك مقاومة ترتكز فقط على عنصر واحد من هذه العناصر بدون الآخر. إننا سنتمسك أكثر من أي وقت مضى بحق لبنان في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. إلا أن هذا الحق ليس حكرًا على أحد. وأن الحق هو للدولة اللبنانية الممثلة الشرعية للشعب اللبناني وللوطن اللبناني، وهي التي تبقى مسؤولة عن النتائج العامة وعن الحالة العامة للتصدي للعدوان (نقلا عن ظافر الحسن، الدبلوماسية اللبنانية: معايشة شخصية، بيروت، دار النهار، 2011، 10 أجزاء، المجلد 5، ص 191-193).

2. الشرعية légitimité: تكمن جذور التلوث في المفاهيم والسلوك لدى لبنانيين في غياب تجذر الشرعية légitimité. يعود ذلك إلى علم النفس التاريخي والعيادي. يوجد في عالم اليوم 33 دولة مساحتها أقل من 10،000 كم2: الفاتيكان، أندورا، موناكو، ليشتنشتين، مالديف... ليست هذه الدول في جوار عدائي أو في جوار قيد التحوّل الديمقراطي كما لبنان، ولكنها حامية ذاتها بشرعيتها الداخلية والإقليمية والدولية. عرفت هذه الدول الصغيرة في تاريخها احتلالات ومقاومات. هل ينجح اليوم تنظيم ميليشياوي ضخم في اقتحام الفاتيكان أو أندورا أو موناكو...؟ يقول الإمام موسى الصدر في 30/7/1978: "لا حل في لبنان إلا بإقامة الشرعية ولا شرعية إلا بتذويب الدويلات أيًا كانت صيغتها وشكلها وفعلها". انساقت كليات قانون، ولا نقول حقوق، في شرح القانونية légalité وتغييب شبه تام لمفهوم الشرعية الذي هو القاعدة التأسيسية للقانون والاستقرار والسلم الأهلي والفعالية في الحياة العامة:

Simone Goyard – Fabre, “Légitimité”, ap. Alland et Rials, dir., Dictionnaire de la culture juridique, Lamy-PUF, 2003, 1650 p., pp. 929-933.

يعود عدم تجذر إدراك الدولة وشرعيتها لدى جهات لبنانية إلى علم النفس التاريخي والعيادي.

يتبيّن ذلك من خلال تكرار تنظيم مسلّح: عندما تصبح الدولة قوية نسلّم سلاحنا! إنه إدراك الدولة على نمط بعض الأنظمة السلطوية: شقة مفروشة وجاهزة مع مفاتيحها! إن الدولة هذه هي من صنع الآخرين! لنتخيّل كم ستكون الدولة اللبنانية قوية من خلال شرعيتها أي الدعم العارم من القوى السياسية والشعبية!

***

يتطلب كل ذلك عملا مستقبليًا، مؤسساتيًا وثقافيًا. يخشى بعد 2030 تبوؤ رئاسة دولة في لبنان (ماروني) لا يتمتع بمواصفات ملك دستوري غير وراثي حاملاً الكتاب وساهرًا على سمو الدستور.

تصاب يوميًا بحالات تَقَيّؤ تجاه متموضعين لا يُعلنون توبتَهم، ويُخفون تَمَوضعهم وزبائنيتهم. يسترسلون في التعبير عن السلم الأَهلي والوحدة الوطنية، ويطمسون معضلة الدولة والسيادة! يُخفي الانتهازيون تموضعهم في قضايا جوهرية! هكذا انتُهِكَت سيادة لبنان فيما السيادة لا تحتمل المجاملة: هي "نعم" أو "لا" ! التسوية تنازل متبادَل وتوازن في الحقوق. أما المساومة فهي إخلال في التوازن لمصلحة خاصة وتبادل منافع.

لماذا تُصاب بالتقَيُّؤ؟ يقول سانت إكزوبري Antoine de Saint-Exupéry: "يخطئُ مَن يسعون إلى اكتساب رضى الغير فيتحوّلون ليّني المراس ويستجيبون مسبقًا لرغباته. إنهم خَوَنة في كل شيء. لا أريد التفاعل مع رئات البحر méduses فهي بلا هيكل عظمي ولا شكل. أتقيأها وأعيدها إلى ضبابيتها. ولتَعد إليّ عند اكتمال بنيتها" (Citadelle, Gallimard, 1948, 340 p., p. 24).


عضو المجلس الدستوري، 2009-2019