الياس دمّر

"Michael" يُلمِّع "الأسطورة" ويترك "الإنسان" في الظل

4 دقائق للقراءة

يصل فيلم "Michael" مُثقلا بتوقعات هائلة، ليس فقط لأنه يتناول شخصيّة بحجم Michael Jackson، بل لأن مادته الدراميّة تبدو بطبيعتها عصيّة على الاختزال: عبقرية فنيّة، طفولة مشوَّهة، شهرة كاسحة، وحياة ملأى بالتناقضات. لكن الفيلم، بدل أن يدخل هذه المناطق المعقدة، يختار الطريق الأسهل: طريق صناعة أسطورة مصقولة، لا تفكيك إنسان!

ولِمن ينتمي إلى جيلٍ عاش ذروة مايكل جاكسون، تبدو هذه المسافة الباردة التي يتعامل بها الفيلم مع أثره الجماهيري خيبة إضافية. فموسيقى جاكسون لم تكن بالنسبة إلينا مجرّد أغنيات تُسمَع، بل أحداثًا تُنتظر. كنا نترقب صدور كل إصدار جديد بشغف يكاد يشبه الطقس الجماعي، نلاحق أخبار الألبوم المقبل، ونهرع إلى متاجر التسجيلات لشراء أشرطة الكاسيت فور طرحها، ثم لاحقًا الأقراص الـمدمجة (CD)، كأن امتلاك العمل في يومه الأوَّل جزء من طقس الانتماء ذاته. كان لكل ألبوم وقع المناسبة، ولكل أغنية جديدة شعور الاكتشاف. كنا نحفظ الأغنيات قبل أن تحفظها الإذاعات، ونتابع "الفيديو كليبات" كما لو كانت أحداثًا ثقافية قائمة بذاتها. هذا الافتتان العابر للحدود، صنع من جاكسون ظاهرة وجدانيّة وملكًا على عرش موسيقى البوب. لكن فيلم "Michael" لا يمنح الأسطورة مايكل جاكسون ما يستحقه من حضور.


يُقدِّس الملك ويقتل التراجيديا

يعتمد العمل بُنية تقليديّة مألوفة في أفلام السيرة، من البدايات الصعبة إلى الانطلاق نحو المجد، ثمّ لحظات التتويج الكبرى. غير أن هذا البناء يبدو هنا أقرب إلى قائمة إنجازات منه إلى تطوّر درامي حقيقي. السّرد ينتقل من محطة إلى أخرى بلا توتر داخلي كافٍ، وكأن الفيلم يخشى الاقتراب من أيّ منطقة رماديّة قد تُهدِّد صورته الاحتفائية.

أبرز ما ينجح فيه الفيلم هو الجانب الاستعراضي. مَشاهد الأداء الموسيقي مصمَّمة بِطاقةٍ بصريّة عالية، وتستعيد وهج عروض جاكسون بحيويّة لافتة. كما أن أداء Jaafar Jackson (ابن شقيق مايكل) على المستوى الجسدي مدهش، ليس فقط في الحركة، بل في التقاط الإيماءات والتفاصيل الدقيقة. في هذه اللّحظات، يبدو الفيلم حيًّا بالفعل، ويُذكِّر بما كان يُمكن للعمل أن يكونه لو امتلك الشجاعة نفسها خلف الأضواء.

لكن المشكلة تبدأ حين يتوقف الغناء ويعود السّرد. هنا يتراجع الإيقاع، ويظهر ضعف الكتابة. الشخصيّة لا تتعمَّق، بل تُقدَّم من الخارج. نجد مايكل العبقري، الهش، المختلف… من دون أن يمنحنا الفيلم مفاتيح نفسيّة لِفهم هذه الهشاشة. لا نرى صراعًا داخليًا حقيقيًا، بقدر ما نرى صورة مُدارة بعناية، كأن الفيلم مُنشغل بحماية بطله أكثر من فهمه.


سيرة مُعقمة 

إخراجيًا، يبدو Antoine Fuqua أكثر تحفظًا ممَّا عُرف به. الكاميرا تميل إلى التمجيد بدل المراقبة، وإلى الزينة بدل الكشف. حتى لحظات الألم تُقدَّم بوصفها محطات عابرة، لا جروحًا مؤسِّسة للشخصيّة. وهذا ما يجعل الفيلم، رغم فخامته الإنتاجيّة، يفتقد عنصر المخاطرة الذي كان يمكن أن يُحوّله إلى عمل مهمّ.

المأخذ الأكبر أنّ الفيلم يتجنب عمدًا الكثير من الجوانب الإشكاليّة في سيرة جاكسون، فيفقد بذلك شرطًا أساسيًّا في أي سيرة سينمائيّة جادّة، يكمن في مواجهة التناقض. ليس المطلوب الإدانة أو التبرئة، بل الاعتراف بالتعقيد. لكن العمل يُفضل الحذف على المواجهة، فيتحوّل تدريجيًا من دراما إلى سرديّة دفاعيّة. حتى الشخصيّات المحيطة، ومنها حضور Colman Domingo في دور الأب، تُلمِّح إلى طبقات أعمق كان يمكن للفيلم أن يستثمرها، ثم يتراجع عنها سريعًا، وكأن كل خيط درامي واعد يُقطع قبل أن يصبح مُزعجًا.

جماهيريًا، بدأ فيلم "Michael" بتحقيق إقبال استثنائي على شبّاك التذاكر العالمي، لكنه يبقى عملا محدودًا بانعدام جرأته الفنيّة. ينجح كاستعراض موسيقي ونوستالجيا لجمهورٍ عاش ظاهرة مايكل جاكسون، لكنه يتعثر حين يُطلب منه أن يكون فيلمًا عن إنسان، عاش بين العبقريّة والاضطراب. يُلمِّع الأسطورة، لكنه لا يُفسِّرها، ويُعيد إنتاج الصورة بدل مساءلتها. لهذا يخرج المُشاهد مبهورًا بما يراه ويسمعه، لكن من دون أن يقترب حقًا من الرجل خلف القفاز الأبيض. تشاهدون هذا "الاستعراض السينمائي" حاليًا في جميع صالات العرض.