يواصل Guy Maddin مع Evan وGalen Johnson، في فيلم "Rumours"، تفكيك العالم المعاصر عبر هجاءٍ سورياليّ لا يعترف بحدود النوع أو المنطق. ما يبدأ على شكل كوميديا سياسيّة عن قادة "مجموعة السّبع" (G7) المجتمعين لصياغة بيان حول أزمة كونيّة غامضة، يتحوّل سريعًا إلى كابوس عبثيّ تتهاوى فيه اللغة الدبلوماسيّة أمام فوضى وجوديّة. وكأن الفيلم يعلن منذ لحظاته الأولى، أن النظام العالمي لم يَعُد سوى مسرحيّة مُرتجَلَة على حافة الانهيار.
لا يتعامل الفيلم مع السّياسة بوصفها موضوعًا مباشرًا، بل بوصفها أداءً فارغًا. القادة هنا ليسوا شخصيّات سياسيّة، بقدر ما هم نماذج هزليّة للبيروقراطيّة العاجزة. يتجادلون، يتلعثمون، يضلّون الطريق في الغابة ويواجهون ظواهر غرائبيّة. من رجال المستنقع إلى الدماغ العملاق المتوهِّج، كما لو كانت امتدادًا طبيعيًا لخرابهم الداخلي. هذه العناصر السورياليّة لا تُستخدم للصّدمة المجانيّة، بل لتجسيد عالم لم يَعُد العقل قادرًا على تفسيره. في "Rumours" الوحوش ليست الكائنات الخارقة، بل المؤسّسات التي فقدت معناها.
ضحكٌ على نهاية العالم
تكمن قوّة الفيلم في طريقته بتحويل العبث إلى بُنية سياسيّة. الحوار مكتوب كأنه مُحاكاة ساخرة للغة القِمَم الدوليّة. عبارات طويلة، مصطلحات تقنيّة وبيانات لا تقول شيئًا. وبينما تبدو الشخصيّات مُنشغلة بإدارة الأزمات، فإنها في الواقع عاجزة حتى عن النجاة. هنا يبلغ الفيلم ذروته النقديّة، عبر القادة الذين يُفترض أنهم يديرون العالم، لكنهم لا يستطيعون التعامل مع ظلام الغابة.
بصريًّا، يستثمر المخرج الكندي غاي مادين إرثه التعبيريّ لكن بواجهة أكثر انسيابًا ممّا اعتاده جمهوره. الضباب، الإضاءة الشبحيّة، التكوينات التي تمزج الفخامة القوطيّة بالفانتازيا الرثة، كلّها تمنح الفيلم طابعًا كابوسيًّا يُذكِّر بأن نهاية العالم قد تأتي في هيئة مهزلة. وحتى الأداءات، خصوصًا مع النجمة المخضرمة Cate Blanchett، تتأرجح بذكاء بين الجديّة المطلَقة والكوميديا السّاخرة، ما يُعزز هذا التوتر بين الرّصانة والانهيار. لكن الفيلم لا يطمح إلى هجاء سياسيّ مباشر على طريقة أفلام تقليديّة عن السلطة، بل يذهب أبعد... إلى مساءلة فكرة القيادة ذاتها. وحين يُصبح البيان الختامي عديم الجدوى وسط خراب شامل، يتحوَّل الفيلم إلى تأمّل سوداويّ في إفلاس اللغة السياسيّة أمام الكارثة.
لا يبحث فيلم "Rumours" عن الاتساق السرديّ بقدر ما يصنع منطقه الخاص من الفوضى. قد يبدو أحيانًا كمثل نكتة طويلة تتعمّد التفلُّت، لكن هذا جزء من مشروعه. يتعمَّد أن يُشعر المُشاهِد بأن العالم نفسه بات غير قابل للتفسير. وهو، بهذا المعنى، واحد من أكثر الأفلام السياسيّة غرابة وذكاء، لأنه لا يسخر من نهاية العالم… بل يتخيّلها وقد بدأت بالفعل. سورياليّة الانهيار السياسيّ البارعة، تجدونها حصريًّا في "سينما متروبوليس" – مار مخايل، بيروت.