نايف عازار

انتخابات فلسطينية تحت الضغط والنتائج مرآة واقع معقد

4 دقائق للقراءة
خلال فرز الأصوات في البيرة السبت الفائت (أ ف ب)

رغم الظروف الضاغطة التي يعيشها الفلسطينيون في الضفة الغربية المقطّعة الأوصال، والتحديات الميدانية اليومية التي يواجهونها بسبب سياسة التضييق الممنهجة التي تتبعها السلطات الإسرائيلية عن سابق تصور وتصميم، والأزمة المالية الخانقة التي تكاد تشلّ السلطة الفلسطينية، بسبب تراجع الموارد واحتجاز إسرائيل مبالغ ضخمة من أموال الضرائب الفلسطينية المعروفة بـ "أموال المقاصة"، أصرّ الفلسطينيون على التوجه إلى صناديق الاقتراع السبت في الضفة ومدينة دير البلح في وسط قطاع غزة، التي لم تمحَ عن الخارطة الفلسطينية خلال حرب الإبادة على القطاع، للمشاركة في واجبهم الديمقراطي واختيار ممثليهم في الانتخابات المحلية.

أدلى زهاء نصف مليون فلسطيني في الضفة ودير البلح بأصواتهم لاختيار مجالسهم البلدية، في اقتراع هو الأول في القطاع المنكوب منذ 20 عامًا. وكان طبيعيًا ألا تتعدى نسبة المشاركة في دير البلح الـ 23 في المئة، نظرًا إلى ظروف الحرب الشديدة التعقيد التي عصفت ولا تزال تعصف بالقطاع. أما في الضفة، حيث يكافح الفلسطينيون يوميًا للهروب من براثن الضم الإسرائيلية، وللتأكيد أنهم مواطنون في دولة كاملة الأوصاف، فبلغت نسبة مشاركتهم 56 في المئة.

لإجراء الانتخابات ولو في بقعة واحدة في قطاع غزة، رمزية معنوية كبيرة تعكس إمكانية استعادة وحدة المسار الانتخابي الفلسطيني، خصوصًا بعد تقهقر حركة "حماس" في القطاع بفعل الحرب الإسرائيلية، وتحيي الآمال بإمكان إجراء انتخابات أوسع نطاقًا في المستقبل، ترقى إلى حد انتخابات تشريعية ورئاسية على حد سواء في الضفة والقطاع، وبالتالي إبعاد سيف التقسيم الذي شهرته "حماس" في القطاع منذ عام 2007، وإعادة غزة إلى كنف السلطة الفلسطينية التي تدير بالحد الأدنى شؤون فلسطينيي الضفة.

رغم إيجابيات إجراء مثل هكذا انتخابات، إلا أن المراقبين رأوا أنها ممارسة ديمقراطية صورية جوفاء، كونها لم تشكل حافزًا يعتدّ به لإعادة إنتاج الشرعية الشعبية، كما في الدول الديمقراطية المتقدمة، ولا ساهمت في توسيع المشاركة السياسية، بل غدت شمّاعة لإعادة تثبيت حكم السلطة الراهنة، كون غالبية المرشحين وربما الفائزين يدورون في فلكها.

يسجل منتقدو السلطة الفلسطينية عليها، مغالاتها في التدخل في تفاصيل الإعداد للعملية الانتخابية، ثم إشرافها عليها، وصولا إلى حملات التوجيه غير المباشرة التي شكا منها العديد من المرشحين كما المقترعين. وهذا الإمعان في التدخل يعكس توجّس السلطة من أن تفرز نتائج الانتخابات تحولات ما في بنية "السلطة العميقة". وهنا ترتاب السلطة أيضًا من مساعٍ إسرائيلية لتفكيكها رويدًا رويدًا، تمهيدًا لاستبدالها بكيانات خدمية محلّية كالبلديات، تعنى فقط بإدارة شؤون مناطقية محدودة، من دون أي أفق سياسي سيادي. لذلك، يقدّر منتقدو أداء السلطة الانتخابي، أن استبسالها لإجراء انتخابات محلية لا ينمّ فقط عن تقديسها للديمقراطية، بقدر ما يُعدّ محاولة لتعزيز جذور "الدولة العميقة" والتركيبة السلطوية الحاكمة.

علاوة على ذلك، يعتبر منتقدو سير العملية الانتخابية أن عملية الاقتراع التي يُفترض أن تكون "عرسًا ديمقراطيًا"، استحالت أداة دفاعية غليظة استخدمتها سلطات رام الله في إطار "استراتيجية البقاء"، عوض أن تكون عاملًا مساندًا في رحلة التحرر الوطني. وهنا يعتبر المراقبون أن القيادة الفلسطينية آثرت الهروب إلى انتخابات على المستوى المحلي تكون مخاطرها محسوبة، ويمكن التحكم بنتائجها وربما التأثير فيها، بدل التوجه إلى رحاب انتخابات عامة شاملة، تكون نتائجها غير محسوبة وغير محسومة، وتزعزع ربما "عرش" رام الله. لذلك يمكن القول إن الانتخابات الفلسطينية تأرجحت بين "مطرقة" إسرائيل القابضة على أنفاس فلسطينيي الضفة، وبين "سندان" السلطة الفلسطينية اللاهثة خلف إطالة عمرها السياسي في ربوع رام الله.