رافق المحامي نعوم فرح الشيخ بشير الجميِّل في محطّات كثيره من مقاعد الدراسة إلى الجامعة والنضال العسكري والسياسي، من ثكنة الأشرفية إلى الإعلام والعلاقات الخارجية والعمل على تحسين صورة "القوات" وبناء علاقات مع واشنطن وعواصم كثيرة. رافق فرح تحوّلات كبرى في "القوات" من حرب المئة يوم إلى حرب زحلة والاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ومن انتخاب الشيخ بشير رئيسًا للجمهورية إلى اغتياله وانتقال قيادة "القوات" إلى فادي فرام ثم فؤاد أبو ناضر حتى انتفاضة 12 آذار 1985 وخروجه بعدها منها. عن هذه المحطات يكشف المحامي فرح مع "نداء السنين" في "نداء الوطن" والـ "أم تي في" الكثير من المعطيات والمعلومات وصولا إلى فتح ملف اغتيال الشيخ بشير والمحاكمة التي تأخرت 35 عامًا.
ترافقت مع الشيخ بشير في المدرسة والجامعة قبل أن تصبحا معًا في "القوات اللبنانية". من أي عالم أتيت كيف اجتمعت إلى عالم الشيخ بشير؟
انا من عائلة محافظة من جبيل الوالد كان يعرف الرئيس إميل إده وعائلتنا كانت تعتبر "إدَّوية"، الطريق الذي أخذته في الدراسة أو الجامعة كان من أهلي لأن والديّ كانا لبنانيين جدًّا. كما أن زوجتي دنيز كانت في الخط السيادي وضدّ الاحتلالات. كان حظي كبيرًا من ناحية التكوين الفكري والوطني الذي أدين فيه لأهلي وزوجتي.
هل رفقة المدرسة والجامعة مع الشيخ بشير هي التي أدخلتك إلى "القوات"؟
لم يكن هناك "قوات" عام 1975. كان هناك حسّ وطني والتزام. عندما وجدنا أن الوطن بخطر أنا وآلاف من الشباب والشابات اعتبرنا أن واجبنا أن ندافع عن الوطن بعدما انهارت مؤسسات الدولة، الدستورية والعسكريه فتحوّلنا من مدنيين وطلاب إلى مقاومين وحملنا السلاح للدفاع عن البيت والحي والضيعة والمدينة.
لم تنتسب إلى حزب "الكتائب" بداية؟
لا. لم تكن العلاقات طيبة بين الشيخ بيار والعميد ريمون إده. ولكنني وضعت هذا الأمر جانبًا لأنه كانت هناك مسألة أهمّ.
علاقتك مع الشيخ بشير هي التي أدخلتك إلى النضال في "الكتائب" بداية؟ أم أنك التحقت لوحدك ثم حصل تواصل مع الشيخ بشير؟
التحقنا أنا ومئات الشباب. هذه لا علاقه لها بما إذا كنت رفيق بشير في المدرسة والجامعة. كل الذين انضووا في المقاومه منذ 13 نيسان 75 لم يكن ذلك يتعلّق بمعرفتهم بشير الجميل أو الرئيس كميل شمعون. ولكن بعدما طالت الحرب وصارت هناك ضروره لتنظيم القوى العسكرية والسياسية أكيد علاقتي مع بشير لعبت دورًا.
عُرِفت مسؤولا في العلاقات الخارجية في "القوات" ولكن قلّة تعرف أنك بدأت عسكريًا في ثكنة الأشرفية.
في الثكنه كنا تابعين للقوى النظامية. وقتها أحبّ بشير أن يؤسّس نموذجًا لثكنة تكون واجهة منظمة. أكثرية الثكنات كانت كتائبية بالهوية ولكن المقاتلين والمقاومين كانوا 500 شخص تقريبًا و80 % منهم لم يكونوا منتسبين إلى "الكتائب". هذه كانت أهميه هذا الاستقطاب الذي استطاع بشير أن يعمله منذ اللحظة الأولى. أكثرية الشباب والشابات الذين حملوا السلاح دفاعًا عن بيتهم وحيِّهم وضيعتهم ما كانوا منتسبين لأي حزب لا لـ "الكتائب" ولا لـ "الأحرار" ولا لـ "التنظيم" ولا لـ "حراس الأرز"، الأحزاب المسيحية التي كانت العمود الفقري للمقاومة اللبنانية.
ما كان دورك في الثكنة وهل تعتقد أن هذه التجربة نجحت بتأسيس نواة ما ستصبح لاحقًا "القوات اللبنانية"؟
هذه الثكنة كانت محاولة لجمع الشباب الآتين من أماكن مختلفة وتنظيمهم بعد تسليمهم السلاح لأنه إذا لم يكن هناك انضباط وسلطه تراقب هذا الانضباط وتضع له أطرًا يحصل كثير من المخالفات والتصرفات غير المقبولة. هذه الثكنة كان هدفها لمّ كل الشباب الذين قرّروا منذ 13 نيسان 1975 أن يدافعوا عن بلدهم ومنطقتهم بعد مرحلة من عدم وجود أي رقابة عليهم وسلطة وإمرة وحصول تصرّفات غير مقبولة. يعني كانت الثكنة نموذجًا وانطلاقة على قاعدة أن من يريد أن يقاوم عسكريًا لا يمكنه أن يقاوم لوحده ويجب أن يدخل هذا الإطار المنظم. وهذه المسألة كانت في تفكير بشير الجميل وعند غيره حتى وصلنا على مراحل إلى قيادة "القوات اللبنانية" ومجلس القيادة وهرمية فعلية. هذا التطور الذي بدأ أواخر الـ 76 أوصلنا إلى قيادة "القوات اللبنانيه" بالمعنى العسكري والتنظيمي.
كيف نقلت من العمل العسكري إلى العمل الإعلامي والعمل السياسي في مكتب العلاقات الخارجية في "القوات اللبنانية"؟ كيف كانت صورة "القوات" وما كانت مهمة المكتب؟
عندما انتهت المرحلة الأولى من الحرب في خريف الـ 1976 بعد دخول ما سمِّي "قوات الردع العربية"، التي كان 90 % من عديدها قوات سورية، وكانت نوعًا من تغطية وتسمية للاحتلال السوري، إلى ما كان يسمى بالمناطق الشرقية أُزيلت المظاهر المسلحة وكان وقتها الشيخ بشير معارضًا لهذا الأمر وكان يقول للرئيس شمعون وللشيخ بيار الجميل: رَح يفوتوا وما رَح يطلعوا.
بعد دخول الردع انحلّت الثكنة وعاد كل واحد إلى بيته أم بقيت عملية تدريبات سرية؟
لا لا انحلّت. الثكنة ظاهرة ما فيك تخبّيها. كان انتشار القوات السورية العسكري والمخابراتي تغلغل في كل المنطقة وكان صعبًا جدًّا متابعة أي نشاط عسكري من دون أن يعرف الجيش السوري. بانتهاء سنة 1976 عقد الشيخ بشير اجتماعات مع الوزير السابق القاضي سليم الجاهل والدكتور شارل مالك والأباتي بولس نعمان لبحث نتائج الحرب وكان اتفاق على أننا لم نخسر الحرب إنما لم نربحها.
كنا واعين أن الحرب لم تنتهِ والجيش السوري باقٍ وفي وقت رح يوصل رح نضطر لنبلّش معركه التحرير. في سنتي الحرب عانينا من شرذمة الصورة الإعلامية السياسية تجاه الخارج. هذا كان الضعف الأساسي عندنا لأن الفريق الآخر الخصم اللبناني والعدو الفلسطيني المسلّح كان عنده إمكانيات مالية هائلة. كانت كل دول المعسكر الشرقي وبعض الدول العربية وسفاراتها في لبنان تدعمهم ماليًا ولوجستيًا ويفتحون الأبواب لكل الإعلام الأجنبي والعربي لصالح منظمه التحرير. كان يأتي الصحافي الأجنبي، عربيًا كان أم غير عربي، يدخل إلى المنطقة الشرقية ويقابل أي شخص يحمل سلاحًا، أكان مسؤولا أم غير مسؤول، ويأخذ منه أحاديث وينشرها كما يريد. لذلك كان هناك توريط في بعض الكلمات والمواقف وبعض الصور المسيئة لنا، بحيث تحولت صورة المقاومة اللبنانية إلى نوع من مجموعة من الأشخاص بدون أخلاق وبدون قيم، ميليشيا وفوضى وهودي الناس فالتين عم بيدبحوا الفلسطينيين والمسلمين... هذه المسألة أساءت كثيرًا لصورتنا. يأتي صحافي أجنبي إلى المنطقه الشرقية يبرم ويطلع بمقال إنو اليمين المتطرف المسيحي عم يقتل الفلسطينيين والمسلمين الأبرياء. ذات الإعلامي يطلع بالطيارة من هون ويروح على قبرص يأخذ من هناك طيرانًا إسرائيليًا ينزل بإسرائيل ويكتب مقالًا أن الفلسطينيين الوحوش عم يهاجموا ويدبحوا اليهود الإسرائيليين. صار الفلسطيني المسلح في لبنان كأنه صاحب الأرض واللبنانيون عم يعتدوا عليه، والفلسطيني الضحية في لبنان يصبح في فلسطين المعتدي على الإسرائيلي. كان هناك خبث وازدواجية في الإعلام الغربي وجزء من العربي. لذلك كان لا بدّ من تغيير الصورة.
أي متى بدأتم العلاقات الخارجية؟
العلاقات الخارجيه رسميًا بلّشت أواخر 1978. سنة الـ 77 كانت غريبة. لم تحصل عمليات عسكرية ولكن تم اغتيال الزعيم الدرزي واللبناني كمال جنبلاط الأمر الذي كشف أن النظام السوري ذاهب إلى نهاية مشروعه للسيطرة على لبنان. كان لدينا شعور أنها مسألة وقت ورح ترجع تعلق وما منعرف أي ساعة. لذلك كان هناك اتفاق على أنه من الضروري أن يكون لدى المقاومة اللبنانية صوت واحد ورسالة واحدة ومواقف واحدة في الداخل والخارج للخروج من الطابع العسكري للتواصل والإعلام بدل الشعبة الخامسة. كنت أنا استلمت الشعبة الخامسة، أي الإعلام العسكري، وتمّ تعيين شخص محلّي وتمّ إنشاء جهاز العلاقات الخارجية ليكون الناطق الرسمي ولتكون الكلمة والعمل الدبلوماسي متناغمين.
أهم إشكالية كانت في العلاقه مع واشنطن؟
لا. الإشكالية كانت مع الغرب، مع الكل.
ولكن الهدف الأساسي كان علاقه الشيخ بشير مع الأميركيين؟
لا لا لا. مع الدول الأوروبية والدول العربية. كان الهدف أن تكون صورة المقاومة اللبنانية واضحة ليس فيها عدة خطابات. العمل السياسي الدبلوماسي كان مع دوائر القرار في الخارج ومع السفارات في لبنان والاتصال بالمغتربين والجاليات والمنتشرين في العالم. هذه الأمور كان يجب أن تكون كلها محصورة بجهاز واحد هو جهاز العلاقات الخارجية الذي كنت رئيسه وبالتالي مسؤولًا عن العلاقات الدبلوماسية والاتصال بالمغتربين باسم "القوات اللبنانية" وكنت في الوقت نفسه الناطق الرسمي باسم مجلس القيادة وبعد عامين صرت أمين سرّ مجلس القيادة إلى أن قلت للشيخ بشير كبر الحمل حرّرني من قضية أمانة سرّ مجلس القيادة. وافق وعيِّن الصديق سمير طويلة.
يتبع الجمعة أول أيار 2026
المحامي نعوم فرح يروي (2من5)
قصة اللقاء العاصف بين بشير والسفير غونتردين
كيف تبنى الرئيس ريغن ترشيح بشير للرئاسة؟