جانين البطي

واشنطن تجمع الخصوم: تفاوض تقني أم بداية تحوّل سياسي؟

3 دقائق للقراءة

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تعود المفاوضات بين لبنان وإسرائيل إلى الواجهة من بوابة واشنطن، تحت رعاية الولايات المتحدة. غير أنّ السؤال الجوهري لا يكمن في انعقاد هذه المفاوضات بحدّ ذاته، بل في طبيعتها وحدودها: هل نحن أمام مسار سياسي شامل، أم مجرّد ترتيبات تقنية أمنية تُفرض تحت ضغط النار؟

لا يدخل لبنان هذه المفاوضات من موقع المبادرة، بل من موقع الضرورة. التصعيد على الجبهة الجنوبية، واستمرار الاشتباكات، والضغط الدولي لمنع الانزلاق إلى حرب واسعة، كلها عوامل دفعت نحو فتح قنوات التفاوض. لكن هذه القنوات لا تعكس تحوّلًا في العقيدة السياسية اللبنانية، بقدر ما تعكس محاولة احتواء خطر داهم. من هنا، يمكن فهم الإطار العام للمفاوضات على أنه إطار أمني–تقني في مرحلته الراهنة، يركّز على وقف إطلاق النار، تثبيت قواعد الاشتباك، معالجة النقاط الحدودية العالقة، وربما البحث في ترتيبات ميدانية تضمن هدوءًا طويل الأمد.

في الخطاب اللبناني الرسمي، يُشدَّد على الطابع التقني للمفاوضات، تجنبًا لأي انزلاق نحو مسار تطبيعي أو سياسي شامل. في المقابل، لا تخفي واشنطن سعيها إلى توسيع هذا الإطار، مستفيدة من اللحظة الإقليمية، للدفع نحو تفاهمات أعمق قد تتجاوز الأمن إلى السياسة. أما إسرائيل، فتدخل المفاوضات من زاوية مختلفة، إذ ترى في هذه اللحظة فرصة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك على الجبهة الشمالية، وربما لطرح ملفات أكثر حساسية، يتقدّمها ملف سلاح حزب الله. هنا يتبدّى التباين بوضوح: لبنان يفاوض لوقف الحرب، إسرائيل تفاوض لتغيير الواقع الأمني، والولايات المتحدة تفاوض لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

نظريًا، كل تفاوض أمني يحمل في طيّاته إمكانية التحوّل إلى مسار سياسي. لكن عمليًا، لا تبدو الظروف الحالية مهيّأة لذلك. فلبنان، المنقسم داخليًا، وغير القادر على تحمّل تبعات خيار سياسي كبير، لا يملك هامش الانتقال من “وقف حرب” إلى “صنع سلام”. ومع ذلك، تكمن الخطورة في الانزلاق التدريجي، إذ قد تبدأ المفاوضات بتفاصيل تقنية، لتتحوّل لاحقًا إلى التزامات سياسية غير معلنة تُفرض بحكم الأمر الواقع، لا عبر قرار سيادي واضح.

داخليًا، لا يمكن فصل هذه المفاوضات عن التوازنات الهشّة، فهي تفتح الباب أمام انقسام سياسي حاد بين من يرى فيها ضرورة لحماية البلاد، ومن يعتبرها مدخلًا لتنازلات كبرى. الأخطر أنّها تعيد طرح ملف سلاح حزب الله بشكل غير مباشر، في ظل ضغوط دولية متزايدة، وهو ملف يتجاوز القضية الأمنية ليشكّل أحد أعمدة الصراع السياسي الداخلي، ما يهدّد بتفجير توازنات دقيقة.

لا شك أنّ جزءًا من اللبنانيين ينظر إلى هذه المفاوضات كفرصة لوقف النزيف أمنيًا وإنسانيًا واقتصاديًا، لكن في المقابل يبرز هاجس مشروع: هل يتحوّل هذا "الإنقاذ" إلى مدخل لفرض شروط سياسية تتجاوز قدرة الدولة على تحمّلها؟ في هذا السياق، تبدو المفاوضات كأنها سيف ذو حدّين، بين الحاجة الملحّة إلى التهدئة، والخشية من أثمانها البعيدة.

ما يجري في واشنطن ليس سلامًا، ولا مجرّد تفاوض تقني عابر، بل مرحلة انتقالية بين الحرب والتسوية، حيث تختلط الأوراق وتتداخل الأهداف، وتُختبر قدرة لبنان على حماية حدوده السياسية لا الجغرافية فقط. لبنان اليوم لا يفاوض من موقع القوّة، لكنه أيضًا ليس بلا أوراق، غير أنّ التحدّي الحقيقي لا يكمن في الذهاب إلى التفاوض، بل في إدارته: كيف يبدأ، وأين ينتهي، وما الذي يُقال على الطاولة، وما الذي قد يُفرض خارجها. في هذا الفارق تحديدًا، يتقرّر إن كان التفاوض إنقاذًا مؤقتًا، أم بداية مسار مفتوح على أثمان أكبر.