وصلت إلى طوارئ مستشفى البربير سيارة مرسيدس 190 فيها 3 شبان أحدهم مصاب بطلق ناري وادعى رفيقاه أنه كان يلهو بمسدس فأصابته رصاصة، ليتبين أنه مصاب برصاصتين: الأولى استقرت في جنبه والثانية لامست جسده وتركت أثرًا.
كان في الطوارئ ممرض يتعاون مع الشعبة الثانية، فخلال أخذ صور شعاعية لإصابة الشاب التقط صورة سرية لوجهه، وبعد إخراج الرصاصة احتفظ بها، كما أخذ رقم السيارة، ولاحقًا سلّم كل شيء للشعبة الثانية.
رفض من كان مع الشاب المصاب إبقاءه في المستشفى، رغم إلحاح من عالجه، لأن وضعه يستوجب مراقبته أقله 24 ساعة، وأصرّا على أخذه بعد إخراج الرصاصة، وفيما خص السيارة: تبين أنها كانت سرقت قبل 3 أو 4 أيام من محلة برج حمود – النبعة وقدم صاحبها بلاغًا بسرقتها، ووجدت في اليوم التالي متوقفة في شارع في محلة الجناح مصابة بـ 3 أو 4 رصاصات، كانت من مسدس الشاب الزغرتاوي في فردان، وفيما خص الرصاصة التي استخرجت من المصاب، تبين أيضًا أنها من مسدس الشاب الزغرتاوي، وأما الأوراق الثبوتية للمصاب التي طلبتها طوارئ المستشفى فظهر لاحقًا أن هويته اللبنانية التي قدمت وأخذت منها المعلومات، تعود لشخص من بعلبك متوفى من أكثر من سنة.
تم استجواب من كانوا متواجدين تلك الليلة في طوارئ المستشفى عن ركاب السيارة التي أوصلت الجريح: أشكالهم ولهجتهم، فأجمعوا أنهم كانوا يتكلمون العربية بلكنة غير لبنانية سورية وفلسطينية وكان أحدهم يحمل مبلغًا كبيرًا من المال: دفع فورًا وغادروا.
من كان ذاك الشاب وما قصة قوله: سيارة؟
عُرِضت صورة ذلك الشاب الغريب على ياسر عرفات وأبو حسن سلامة وتم البحث عنها في ملفات الشعبة الثانية، ليتبين أنه فلسطيني كان في الأردن وخرج منه مع من خرجوا من المقاتلين الفلسطينيين بعد أيلول الأسود. انتمى بدايةً في الأردن إلى "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" التي عادت وطردته ليلتحق بعدة فصائل فلسطينية مما كان يُعرف بجبهة الرفض وكان آخر ظهور له في القاهرة خلال محاكمة قتلة رئيس الوزراء الأردني وصفي التل، وفي تقرير أنه شوهد في مطار القاهرة عند مغادرة من قتلوا وصفي التل إلى بغداد بعد إطلاق سراحهم وغادر معهم، وكان يحمل في مصر بطاقة صحافي، وبحسب معلومات "فتح" أنه كان متواجدًا في العراق حتى صيف 1972 وانتقل إلى سوريا ومن وقتها ما عاد عُرِف عنه شيء.
في ما خص قوله: سيارة
يقول ضابط متقاعد: في العلم العسكري عندما تقوم مجموعة بمهمة وعليها الانسحاب لا تنتظر من اضطر للتأخر بل تغادر ويلحقها المتخلف إلى نقطة تسمى "نقطة التألب" حيث ينتظره هناك أحد ما لنقله.
في التحليل: يبدو أن هذا الغريب كان مع الكومندوس الإسرائيلي أو مسهلًا لتنفيذ مهمته، ولسبب ما تأخر بالانسحاب معهم فغادروا وتبعهم راكضًا إلى "نقطة التألب" التي هي السيارة وكان ما كان.
ما قصة المسدس الذي وقع من الشاب الغريب؟
خلال إعطائهما إفادتيهما، أخبر الشابان الزغرتاويان من آل القس حنا "الصيصا" وبو ديب، الشرطة العسكرية، أنهما شاهدا مسدسًا يقع من يد الشاب الغريب، ومع أول خيوط الصباح طوقت قوى الأمن الداخلي والشرطة العسكرية مكان الحادثة بحثًا عن المسدس ليتبين أن عاملاً في فرن قريب التقطه فسلمه: كان هذا هو المسدس الذي ظهر في الصحف عليه نجمة إسرائيل.
لماذا أخذوا الشاب المصاب إلى مستشفى خاص وليس إلى مستشفى يخص "الثورة الفلسطينية"؟
يرد العميد نزار عبد القادر: من الطبيعي ألا يأخذوه إلى مستشفى يخص الفلسطينيين، فهناك من الممكن أن يكون معروفًا وسيسألونمرافقيه من يكون؟ وكيف أصيب؟ وأين؟ وقد يطلبون أوراقه الثبوتية، وقد تكتشف أي أوراق مزورة له، ولا يمكن نسج رواية عن إصابته فلن يصدقوها، على عكس طوارئ مستشفى خاص حيث لا وجود لفلسطينيين ممكن أن يخبروا مسؤوليهم عمن شاهدوا.
لماذا قُتل فيليب الخازن بعد سنتين ونصف من الحادثة؟
كانت يومها لعبة "الفليبر" مشهورة وفيليب الخازن من عشاقها وكان في جيبه كمية من النقود المعدنية لاستعمالها في اللعب، وعندما أُطلق الرصاص عليه أصابت رصاصة الجيب الذي فيه القطع المعدنية فتناثرت في رجله التي كاد الأطباء يقطعونها، لكن الدكتور مرسال برنس رفض قطعها وأجرى له أكثر من عملية جراحية فنجت من القطع وبقي يتعالج قرابة السنة وما عاد يسير طبيعيًا، ومن يوم الحادثة ما عاد زار منزله في فردان إلا زيارات خاطفة مع أقارب وأصدقاء ولم ينم فيه ليلة واحدة إلى أن كان يوم مقتله.
لماذا قتلوه؟
عرفت المنظمات الفلسطينية وقد تكون أجهزة مخابرات أخرى، أن فيليب الخازن شاهد شيئًا ما من منزله فيجب إسكاته، وكان تعرض يومًا وهو في طريقه إلى مطار بيروت لإطلاق رصاص أصاب السيارة التي يستقلها، وكان الاعتقاد وقتها أنه رصاص طائش، كما نجا من محاولة دهس في شارع الحمرا، وبعد مقتله كان هناك شبه تأكيد أنهما كانتا محاولتين لقتله.
لماذ لم يُقتل من كان مع فيليب الخازن يومها؟
بحسب العميد سيف الدين فهمي: لم يعرف أحد من كان في منزل فيليب الخازن سوى "الشعبة الثانية" وبالتالي لم تتسرب الأسماء إلى المنظمات الفلسطينية فنجونا، لكن من كانوا يسهرون تلك الليلة في منزل فيليب الخازن عاشوا في ظل خوف من الوصول إليهم وبقي الشابان الزغرتاويان سنوات يعيشون الحذر في تنقلاتهما خاصة في طرابلس وبيروت متخوفين من قتلهما.
هل شاهد فيليب الخازن ذاك الشاب الغريب في ما بعد؟
في زغرتا رواية تقول إنه قبل أشهر من اندلاع الحرب اللبنانية ربيع 1975 رافق فيليب الخازن النائب طوني فرنجية إلى لقاء أو اجتماع في بيروت كان يشارك فيه قادة وزعماء من بينهم الرئيس صائب سلام.
دخل النائب فرنجية إلى اللقاء وبقي فيليب الخازن واقفًا في الخارج مع المرافقين والصحافيين والأمنيين، وإذ يصل ياسر عرفات ومعه عدد من المسؤولين الفلسطينيين وصحافيين ومرافقين.
فيما فيليب الخازن يقف مع شبان زغرتاويين ينتظرون خروج النائب طوني فرنجية، لمح شابًا أدرك أنه يعرفه أو شاهده من قبل، فراح يتفرس في وجهه طويلا مسترجعا ذاكرته، ليتبين له أنه ذاك الشاب الذي طاردوه في فردان وما زال يتذكر وجهه من الصورة التي التقطت له في مستشفى البربير بعد عرضها عليه: إنه هو.
بعد خروجه من الاجتماع أخبر فيليب الخازن النائب طوني فرنجية عمن شاهد مؤكدًا له أنه نفس الشخص، فأعلم النائب فرنجية جول البستاني رئيس "الشعبة الثانية" طالبًا منه التحري عن الموضوع.
أنكرت المنظمات الفلسطينية صحة شكوك فيليب الخازن، ولكن فيليب جزم بأنه نفس الشخص الذي عرضت الصورة عليه وما كان نسي ملامحه فحتى ليلة الحادثة في فردان مع أن ضوء إنارة البلدية كان خافتًا رأى ملامح الشاب وهو نفسه في الصورة.
إذا كان هذا الغريب من كان في الاجتماع: ما كانت مهمته؟ مرافق عرفات؟ مرافق مسؤول فلسطيني آخر؟ صحافي كما كانت صفته في القاهرة؟
يقول مسؤول سابق في "فتح": يمكن أن أجزم بأنه لم يكن من مرافقي أبو عمار ولا من الصحافيين المرافقين لياسر عرفات فالذين كانوا يرافقون أبو عمار من الصحافيين أو لحمايته معروفون.
هل كان مرافقًا لمسؤول فلسطيني آخر أو وصل بصفته الصحافية؟ يرد: لا أستبعد وفي حديث مع اللواء سامي الخطيب قال: من المعروف أن العملاء الذين اكتشفوا ضمن صفوف مقاتلي الفصائل الفلسطينية ما كانوا منظمين في "فتح" بل مع المنظمات المتطرفة فكلما كانت المنظمة متطرفة كان سهل تحرك العملاء فيها.
يضيف باسمًا: أكثر من كانوا يشتمون "الشعبة الثانية" كانوا مخبرين عندها، وكلام اللواء الخطيب أيّده العميد نزار عبد القادر، ويبقى السؤال: هل هذه الحادثة عجلت في قرار التخلص من فيليب الخازن؟
عن التغلغل الإسرائيلي في الأماكن التي يقيم فيها قادة "منظمة التحرير الفلسطينية"
من المسلم به أن عملاء الموساد الإسرائيلي كانوا يحومون حول قادة "منظمة التحرير الفلسطينية"، فبعد عملية فردان مثلا تبين أنه كان يقيم في البناء الذي يسكنه القادة الفلسطينيون في شقة في الطابق الخامس أسفل مسكن أبو يوسف النجار إيطاليون استأجروها قبل أشهر على أنهم قساوسة، ليتبين أنهم كانوا عملاء للموساد واختفوا فور تنفيذ العملية.
ماذا جرى في مخيم ضبيه قبل ساعات من عملية فردان؟
يتبع...