في قلب طرابلس، حيث تمتزج رائحة التاريخ بنبض الحاضر، ينهض معرض الكتاب بنسخته الثانية والخمسين كموعد ثقافيّ ثابت لا يغيب رغم كلّ التحوّلات والظروف.
هو أكثر من فعالية سنوية؛ إنه مساحة تجمع بين الذاكرة والهوّية، بين الحرف والكلمة، وبين مدينة لا تزال تصرّ على أن تكون منارة للعلم والمعرفة.
"نداء الوطن" تواكب
تواكب صحيفة "نداء الوطن" وككلّ عام هذا الحدث الثقافي الشمالي الذي تحوّل إلى تقليدٍ راسخ في المشهد الثقافي اللبناني، حيث تتجه الأنظار إلى الرابطة الثقافية في طرابلس هذه الأيام؛ التي تصرّ على إحياء هذا المعرض في المدينة، تلك التي وُصفت تاريخيًا بأنها "مدينة العلم والعلماء". هذا الإصرار ليس تفصيلا عابرًا، بل هو موقف ثقافي يعيد تأكيد هوية طرابلس كحاضنة للكتاب والفكر والحوار.
انطلق المعرض في 25 نيسان ويستمرّ حتى 3 أيار، حاملا معه برنامجًا حافلا بالأنشطة الثقافية المتنوّعة. من ندوات فكرية إلى أمسيات شعريّة، ومن حفلات توقيع كتب إلى لقاءات حوارية تجمع كتّابًا ومثقفين من مختلف المناطق. هذا التنوّع يعكس روح المعرض كمنصّة مفتوحة على كلّ الطاقات الثقافية، ومساحة تفاعل بين الأجيال والأفكار.
في هذا السياق، تحدّثت مروة درويش مسؤولة مشروع "A book can help" عن المبادرة التي تستهدف الطلاب بشكل مباشر، عبر تعزيز علاقتهم بالكتاب وتشجيعهم على القراءة كأداة للتغيير والتطوّر الشخصي. وأشارت إلى أن وجودهم في المعرض يشكّل فرصة للتواصل مع جيل الشباب، وإعادة ربطه بالكتاب في زمن تزداد فيه سرعة المعلومة وتقلّ فيه لحظات التأمّل.
كما التقت "نداء الوطن" على هامش المعرض الناشطة الاجتماعية في طرابلس عفراء عيد، التي أثنت على هذا الحدث الثقافي في ظلّ الظروف الصعبة التي تمرّ بها المدينة والبلد. واعتبرت أن استمرار إقامة المعرض بهذا الزخم يؤكد أن طرابلس كانت ولا تزال مدينة العلم والمعرفة والكتاب، وأن الثقافة فيها ليست ترفًا بل جزءًا من هوية المدينة وصمودها.
الصمود من طرابلس
من جهته، لفت رئيس الرابطة الثقافية، الزميل رامز الفري، إلى أن معرض هذا العام يحمل عنوان "الصمود للبنان من طرابلس"، مؤكدًا أن رسالته هي رسالة ثقافة توحّد اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم. وأشار إلى أن المعرض هذه السنة يحوي الكثير من الفعاليات الفكرية والثقافية والتربوية، ويشكّل مساحة للتلاقي بين مختلف الأفكار والإبداعات. وأضاف: "نصرّ من خلاله على إثبات حضورنا وحضور مدينتنا، ونؤكد أن الظروف مهما كانت قاسية لا يمكن أن تكسرنا أو تكسر إرادة أهالي طرابلس والشمال في نشر المعرفة والثقافة". ووجّه الفري الشكر إلى صحيفة "نداء الوطن" والقائمين عليها على مواكبة هذا الحدث الثقافي كلّ عام، ومتابعتهم الدائمة النشاط الثقافي في طرابلس والشمال وتسليط الضوء على دور المدينة في الحياة الفكرية اللبنانية.
نشير إلى أنه هذه الأيام تتحوّل قاعات المعرض إلى فضاءات نابضة بالحياة، تتوزع فيها دور نشر، وكتب، وجامعات، ومؤسسات ثقافية متنوّعة، إلى جانب طلاب وطالبات وروّاد فكر يجولون بين الأروقة، كلٌّ يبحث عن ضالته الفكرية والثقافية، وكأن المكان كلّه يتحوّل إلى خريطة مفتوحة للمعرفة والبحث والاكتشاف.
وفي النهاية، يبقى معرض الكتاب في طرابلس أكثر من مجرّد تظاهرة ثقافية عابرة، بل هو مساحة تتجدّد فيها علاقة المدينة بالكتاب وبالفكر وبالإنسان. هو رسالة مستمرّة بأن المعرفة ليست ترفًا، بل حاجة وضرورة، وأن الكتاب رغم كلّ ما يحيط بنا من تطوّر تكنولوجي وسرعة في الإيقاع الرقميّ، ما زال يحتفظ بسحره الخاص وعمقه المختلف، ذلك العمق الذي لا يُستبدل ولا يُختصر، بل يُعاد اكتشافه مع كلّ صفحة تُقرأ وكل فكرة تُولد من بين السطور. ومن الجدير دائمًا أن ندفع الأجيال الجديدة إلى القراءة والمطالعة وتغذية الروح، لأن الثقافة لا تُبنى في لحظة ولا تُستورد جاهزة، بل تتشكّل بالتراكم الشخصي والخبرة الإنسانية، لا بالتلقين الإلكتروني السريع الذي يمرّ ولا يترك أثرًا عميقًا.