المحامي محمد آصف ناصر

حطام وفينيق

8 دقائق للقراءة

"بعد دراسة متعمقة لطلب رئيس الحكومة، وبالنظر إلى الوضع الأمني المعقد الذي تمر به دولة إسرائيل، يوضح رئيس الدولة، إسحق هرتسوغ، أنه لا يمتلك الصلاحية القانونية أو الأخلاقية للتدخل في إجراءات قضائية لا تزال قيد النظر. (Sub Judice)

إن سيادة القانون ليست 'دريئة' للحماية السياسية، بل هي حجر الزاوية في حصانتنا الوطنية. في الوقت الذي يقاتل فيه جنودنا على الجبهة لحماية سيادتنا، فإن التزام القيادة بالحفاظ على نزاهة المعايير والامتثال لأوامر المحكمة هو التزام مطلق. إن أي تأجيل إضافي في مثول رئيس الحكومة سيشكل ضرراً جسيماً لثقة الجمهور وبمبدأ المساواة أمام القانون. وبناءً عليه، فإن الطلب مرفوض؛ ويجب أن تستمر الإجراءات القانونية كما هو مقرر لها، بغض النظر عن ظروف الساعة."

في 27 نيسان 2026، هكذا رفض رئيس كيان العدو طلب نتنياهو بوقف الملاحقة القضائية بحقه، بعد أن حقق ما لم يحققه قائد قبله: قتل السيد حسن نصر الله، قتل السيد هاشم صفي الدين، قتل الشيخ نبيل قاووق، قتل فؤاد شكر، قتل إبراهيم عقيل، أسقط دمشق، جعل مشروع التقسيم قابلا للحياة، قتل السيد علي الخامنئي، قضى على قيادات الصف الأول والثاني في إيران و"حزب الله"، أنهى محور الممانعة، احتل جبل الشيخ وسّع احتلال الجنوب السوري، أعاد احتلال الشريط الحدودي في جنوب لبنان.

كل هذه الفِعال التي يدعمها 93% من الشعب الإسرائيلي، لم تشفع لبنيامين نتنياهو أمام سلطان القانون وسلطة القضاء التي لم تتصدع بالرغم من زمن الحرب واستنهاض مناصري نتنياهو.

في 27 نيسان 2026، ينصاع القضاء والسلطة التنفيذية في لبنان لضجيج شوارعي وتدخل سياسي بسبب مذكرة إحضار نفذتها الضابطة العدلية، والمفارقة أن محامي المدعى عليه خرج على الاعلام لينفي زعم موكله بأنه لم يتبلغ، وليؤكد أنه مثل أمام الضابطة العدلية وطلب مهلة شهر لمثول موكله، فنفذت الضابطة العدلية إشارة النيابة العامة فيقوم المطلوب بمقاومة الأجهزة الأمنية متيحًا لعناصر الدورية، وفق القانون، ممارسة العنف الشرعي، لتتحول المسألة إلى قضية طائفية يتبارى فيها المستثمرون.

ما هكذا تبنى الدول...

لا يجوز تطبيق العدالة بالتراضي، ولا يمكن في دولة قانون ومؤسسات أن تشاهد على طريق عكار صور ملاحقين قضائيا، ولا يصح أن يتم الاعتراض على قرارات قضائية من قبل الغوغاء: القانون فوق الجميع، وإذا أردنا أن نلاحق نعيم قاسم لارتكاب جرائم موصوفة في قانون العقوبات فإن ذلك لا يستقيم مع الاحتجاج على ملاحقة أحد قباضايات الحي لأنه "من جماعتنا"، ولا يستقيم بناء الدولة مع إطلاق سراح من اتهمني بالعمالة و اهدر دمي لقاء تعهد، فيما يقبع في السجن لسنة ونصف شخص دفع عن نفسه أذى شقيق عنصر في قوى الامن الداخلي.

ما هكذا تبنى الدول...

في القانون أي شخص يتظاهر لدعم مرتكب أو ملاحق يعتبر متدخل في جرمه، ويعاقب عقوبته، في القانون كل من ينشر بيان دعم أو صورة مدان يلاحق بفعله: هذا هو القانون. أما في جمهورية الطوائف حيث تمسخ المواطنة إلى انتماء طائفي وينفرط العقد الاجتماعي ليصير حفلة تكاذب ونفاق فيكون الخطاب ضمن الطائفة شيء وخارجها شيء آخر هنا تموت الجمهورية وتنهار السيادة وتستطيع مجندات اسرائيليات أن توجه رسائل مسيئة وتتصور بطريقة فجة لتهين فينيقيا وتاريخها.

فينيقيا وتراثها ماتت تحت سنابك الكراكيب وحلفائهم من كل الطوائف، تحت سلطان الدولة العميقة والمصالح الآسنة والحصانات غير الدستورية.

فينيقيا ماتت في انفجار المرفأ وإبطال وثائق التأمين بتآمر غير مسبوق على المواطن اللبناني، فينيقيا ماتت مع انهيار النظام المصرفي وانعدام المحاسبة. فينيقيا ماتت مع السلاح غير الشرعي وتغول الأحزاب على حساب الدولة، مع كل صباح تشرق شمسه على أكوام النفايات مع الأمل المسلوب من عيون الناشئة، مع الهجرة التي أصبحت عنوان البقاء.

فينيقيا والمقاومة والأمل المسبي، تموت مع كل سبية تسبى من سواحل أوغاريت، حيث يقتل على حد العواء شباب بعمر الزهور، فينيقيا تستباح فيما بائعو الأوهام يسفكون ما تبقى من بلازما فداءً لمشاريع غريبة.

عن ماذا ندافع؟ عن أكوام القمامة؟ عن الفساد المعشش في الزوايا؟ عن المياه الآسنة؟ عن المستقبل المنهوب؟ عن البطالة؟ عن القمع؟ عن الطائفية؟

عن ماذا ندافع؟ عن الوطن المنهوب من أقصى إلى أقصى؟ عن المجرمين الذين يحتلون الشوارع والأزقة؟ عن الخوات؟ عن حزب تاجر بالمقاومة وتسلل مكتبه السياسي إلى مؤسساتنا الدينية ليستعملها دريئة؟ عن من؟

أندافع عن البايجر؟ أم أجهزة الاتصال؟ أندافع عن الظلم عن الاستباحة عن التكفير؟ عن ماذا تصولون وتهتفون وتنشدون؟

أطفالكم يكبرون بلا تعليم، ومنتهى أحلامكم وظيفة تكاد لا تسد الرمق، عملتكم يتسلى بها إعلامي مأجور يرتكب الجريمة الموصوفة في المادة 319 من قانون العقوبات ليمارس ضغطا على السلطة الإجرائية في مسعاه لإسقاطها وجر البلاد إلى الفوضى.

عن ماذا تزودون وتنتشرون على مواقع التواصل الاجتماعي تناصرون وتشتمون وتخونون، أتعرفون ما هي الخيانة؟ الخيانة أن تمنح العدو سببا ليجتاح بلادك، وأن تعين العدو في دعايته، الخيانة أن تفتح للعدو بابا ليعيد احتلال جزءً من وطنك حررته التضحيات الجسام، الخيانة أن تشتري البايجر، الخيانة أن تثير النعرات الطائفية في زمن الحرب، الخيانة أن تثير فتنة على صخرة الروشة. الخيانة أن تتهم رأس الدولة بالخيانة في خضم مفاوضات يسعى من خلالها لوقف إطلاق النار وحماية ما يمكن حمايته، الخيانة في إضعاف موقف لبنان التفاوضي عبر تصريحات خلبية لا تفيد إلا نظام الملالي في إيران. الخيانة أن تسحب من وطنك ورقة التفاوض وتمنحها للأجنبي على حساب مصالح وطنك.

فيما يحتفل "الممانعون" برفض رئيس دولة إسرائيل العفو عن نتنياهو، وبناء حلف سياسي بين نفتالي بينيت ويائير لابيد، يتجلى العار المطلق في المشهد الممانع، في المدارس المكتظة بالنازحين، في انعدام تنظيم الجبهة الداخلية، وأن أحدًا من المحتفلين لم يكلف نفسه الاطلاع على مواقف لابيد وبينيت من الحرب على لبنان، فهما لا يخالفا "بيبي" بمسألة الحرب بل بضراوتها فهما لا يعتقدان أن حروب نتنياهو كانت ضارية وحاسمة بما فيه الكفاية، وهما لا يجنحا إلى السلم بل إلى الحسم العسكري.

في معرض مطالعتي زيارات عرقجي وجولاته المكوكية لحفظ ماء وجهه أمام الشعب الإيراني المقهور، لعله يؤمِّن لأمراء الحرب في بلاده متسعا من الوقت قبل الانهيار الكبير، لم أجد على جدول سفراته زيارة لبكين، كنت توقعت بعد زيارة موسكو أن "يتجه شرقًا"، ولكن: مراجعة بسيطة لتدفق الاستثمارات الصينية تجد أن المال الصيني "النظيف" لم يتجه إلى إيران ولا إلى سوريا ولا لبنان، فاستثمارات الصين في ايران لا تعدو خلال الفترة الممتدة من العام 2012 إلى العام 2026 أربعة مليارات دولار عبارة عن شراء وقود بأسعار زهيدة نسبيًا، أما في إسرائيل فقد تجاوزت الاستثمارات الصينية عتبة العشرين مليار دولار موزعة في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومجالات حيوية أخرى، أما في لبنان وسوريا فتكاد تكون الاستثمارات الصينية صفرية. وهكذا بتتبع تدفق الأموال يمكنك أن تحدد ببساطة أن يكمن الاهتمام الصيني. فبالنسبة للصين وعلي بابا لم يشكل محور الممانعة أكثر من محطة وقود وبضع أكياس رمل تخلى عنها عندما استشعر الخطر المحدق في كانون الأول 2024، أما الشراكة مع إسرائيل فتفرضها العلاقة التكاملية بين نظام علي بابا الصيني ونظام علاء الدين الأميركي.

هنا حيث يتم تقاسم السيادة الرقمية، فتقبض الصين على تكنولوجيا تعدين المعادن النادرة، و تمسك الولايات المتحدة منابع الطاقة والنظم التشغيلية عبر شركات مثل Black Rock التي أسست نظام علاء الدين التشغيلي وأصبحت تملك حصصا في معظم الشركات العالمية وفي معظم القطاعات الإنتاجية، وفيما تسللت الصين في عهد أوباما إلى التراب الأميركي فامتلكت عبر استحواذها على شركات مثل Syngenta أكثر من 384 ألف فدان (أي أكثر من 1,500 كلم2)من الأراضي الزراعية الأميركية وشركات البذور العملاقة، أخذت الولايات المتحدة الصين رهينة بواسطة سندات الخزينة فحولت الدين من عبء إلى سلاح، ثم غضت الطرف عن العملات الرقمية التي حولتها في مرحلة لاحقة إلى منصة تتجاوز القواعد التي كانت سائدة ما قبل الــLehman Brothers، فتحولت المنصات الرقمية والـUSDT وغيرها من مهربٍ لإيران وأمراء الحرب إلى قيد ٍ يحدد منهجية صرف الأموال ويُمَكِّن أجهزة الرقابة الأميركية من تتبع التحويلات ومراقبتها.

في هذا العالم الرقمي الناشئ لا نملك في لبنان ترف الشعارات البراقة، ولا التعنت العدمي، فإما أن نندثر مع شعاراتنا خارج الجغرافيا، أو نستل الإنسانية التشغيلية فنرتقي بكفاءاتنا ضمن الشركات العملاقة لنضمن حقنا بالوجود.

إن موت فينيقيا لا يحول دون انبعاث الفينيق، والفينيق لا ينبعث إلا بالمواطنة اللبنانية، وإرادة الحياة، ولا يتحقق ذلك إلا بسلطان القانون.