جاد الاخوي

محاولات للعودة إلى الترويكا ورفضها احترامًا لتطبيق الدستور

5 دقائق للقراءة

في لحظة سياسية دقيقة يمرّ بها لبنان، يعود النقاش حول اجتماع الرؤساء الثلاثة إلى الواجهة، لا بوصفه حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل كاختبار فعليّ لمدى احترام مبدأ الفصل بين السلطات الذي يشكّل أحد أعمدة النظام الدستوري. فالمشكلة ليست في مبدأ التشاور بين المسؤولين، بل في حدود هذا التشاور، وفي ما إذا كان يتحوّل إلى وسيلة لخلط الصلاحيات وتجاوز الأطر التي رسمها الدستور لكل سلطة على حدة.

يقوم النظام اللبناني، نظريًا على الأقل، على توزيع واضح للسلطات بين التنفيذية والتشريعية والقضائية، بما يضمن التوازن ويمنع الاستئثار بالقرار. غير أن التجربة اللبنانية، منذ عقود، أظهرت ميلًا متكررًا إلى تسييل هذه الحدود، بحيث تصبح المؤسسات مجرّد منصات تفاوض سياسي، لا أطرًا دستورية مستقلة. وفي هذا السياق، يطرح اجتماع الرؤساء الثلاثة اليوم إشكالية جوهرية: هل هو تنسيق مشروع أم محاولة لإعادة تكريس أعراف تتقدّم على النص الدستوري؟

تكمن الإشكالية الأساسية في الدور الذي يسعى رئيس مجلس النواب إلى لعبه في هذه المرحلة. فبحكم موقعه، يُفترض أن يكون رأس السلطة التشريعية، أي الجهة المعنية بإقرار القوانين ومراقبة عمل الحكومة، لا التدخل المباشر في قراراتها التنفيذية أو المشاركة في رسم سياساتها اليومية. إلا أن ما نشهده هو محاولة واضحة لتوسيع هذا الدور، بحيث يتجاوز الإطار التشريعي ليطال صلب القرار التنفيذي، وخصوصًا في ملفات حساسة كالمفاوضات الجارية.

هذا التداخل ليس تفصيلاً تقنيًا، بل مسألة تمس جوهر النظام. فعندما يتحوّل رئيس السلطة التشريعية إلى شريك فعلي في القرار التنفيذي، تسقط عمليًا آليات المحاسبة والمساءلة. كيف يمكن للبرلمان أن يراقب حكومة يشارك رئيسه في قراراتها؟ وكيف يمكن التمييز بين من يضع السياسات ومن يحاسب عليها؟ هنا، يصبح الخلل بنيويًا، لا ظرفيًا.

قد يبرّر البعض هذا السلوك بضرورات المرحلة، أو بحجة “توحيد الموقف الوطني” في مواجهة التحديات. لكن هذا المنطق، وإن بدا مغريًا في لحظات الأزمات، يحمل في طياته خطرًا كبيرًا: تحويل الاستثناء إلى قاعدة. فالدساتير لا تُختبر في أوقات الاستقرار، بل في الأزمات تحديدًا. وإذا جرى تجاوزها كلما اشتد الضغط، فإنها تفقد معناها كمرجعية ناظمة للحياة السياسية.

الأخطر من ذلك أن هذا النمط من السلوك يكرّس عرفًا سياسيًا يقوم على تقاسم غير معلن للسلطة، خارج الأطر الرسمية. فيصبح لكل طرف "حصته" في القرار، بغض النظر عن موقعه الدستوري، ما يفتح الباب أمام صراعات نفوذ دائمة، ويضعف مؤسسات الدولة لمصلحة توازنات هشة بين القوى السياسية. وهنا، لا يعود السؤال من يملك الصلاحية، بل من يملك القدرة على فرض نفسه.

في ملف المفاوضات تحديدًا، تزداد الحساسية. فهذه ليست قضية داخلية عادية، بل مسار يرتبط بمصالح الدولة العليا، وبعلاقاتها الخارجية، وبموقعها في توازنات إقليمية معقدة. ومن هنا، فإن حصر هذا الملف ضمن الأطر الدستورية الواضحة ليس ترفًا، بل ضرورة. فالسلطة التنفيذية، ممثلة بالحكومة ورئيسها، هي الجهة المخوّلة دستوريًا إدارة هذا النوع من الملفات، تحت رقابة السلطة التشريعية، لا بمشاركتها المباشرة.

إن محاولة فرض دور موازٍ في هذا السياق لا تعني فقط تجاوز الصلاحيات، بل أيضًا إرسال رسائل سلبية إلى الخارج. فالدول والمؤسسات الدولية التي تتعامل مع لبنان تبحث عن شريك واضح ومحدد، لا عن تعددية مراكز قرار. وعندما يظهر أن القرار موزّع بين أكثر من جهة، تتراجع الثقة، ويصبح التفاوض أكثر تعقيدًا، وربما أقل جدوى.

لا يمكن إنكار أن النظام اللبناني، بطبيعته التوافقية، يفرض قدرًا من التشاور بين مكوّناته. لكن هذا التشاور يجب أن يبقى ضمن حدود واضحة، تحترم النص الدستوري ولا تفرغه من مضمونه. فالتوافق لا يعني إلغاء المؤسسات، ولا استبدالها بطاولات تفاوض دائمة خارجها. بل على العكس، يفترض أن يعزّزها ويمنحها شرعية أوسع.

من هنا، فإن الاعتراض على اجتماع الرؤساء الثلاثة، في شكله ومضمونه، لا ينطلق من موقف سياسي ضيق، بل من حرص على ما تبقّى من انتظام دستوري. فالمشكلة ليست في اللقاء بحد ذاته، بل في الهدف منه، وفي ما إذا كان يسعى إلى تنسيق المواقف ضمن الأطر، أم إلى إعادة توزيع الأدوار خارجها.

لبنان اليوم بحاجة إلى إعادة تثبيت قواعد اللعبة، لا إلى المزيد من الالتباس. فالأزمة التي يعيشها ليست فقط اقتصادية أو سياسية، بل أيضًا أزمة حكم. وأي محاولة للخروج منها تتطلّب أولًا احترام المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام، وفي مقدّمها الفصل بين السلطات.

قد يبدو هذا الطرح مثاليًا في ظل واقع سياسي معقّد، لكنه في الحقيقة الحد الأدنى المطلوب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فالدول لا تُبنى على النوايا، بل على قواعد واضحة تُحترم حتى عندما تكون كلفتها عالية. وأي تساهل في هذا المجال اليوم، سيعني مزيدًا من التآكل غدًا.

في النهاية، ليس المطلوب تعطيل الحوار بين المسؤولين، بل تأطيره. وليس الهدف منع التشاور، بل منعه من التحوّل إلى أداة لتجاوز الدستور. فالفصل بين السلطات ليس تفصيلاً نظريًا، بل ضمانة أساسية لمنع احتكار القرار، وحماية ما تبقّى من مؤسسات. وإذا سقطت هذه الضمانة، يصبح كل شيء قابلًا للتفاوض، بما في ذلك الدولة نفسها.