حيدر الأمين

لبنان: من يملك قرار القوة عندما لا تحتكر الدولة العنف؟

4 دقائق للقراءة

في لبنان، لا يُختبر مفهوم السيادة في النصوص، بل في الواقع اليومي. هناك، حيث تتقاطع قرارات الدولة مع حدود تفرضها توازنات القوة، يبرز سؤال أساسي: من يملك قرار القوة فعلياً؟

في الدول المستقرة، لا يُطرح هذا السؤال، لأن الجواب محسوم سلفاً: الدولة وحدها. أما في لبنان، فلا يزال مفتوحاً - ليس نظرياً، بل كواقع ينعكس مباشرة على معنى السيادة وحدودها. من هنا، لا تبدأ أزمة الدولة من ضعف مؤسساتها فقط، بل من عدم اكتمال احتكارها للقوة، وما يفرضه ذلك من توازنات تتقدّم أحياناً على منطق الدولة نفسها.

لا تقوم الدولة، بوصفها فكرة، على وجود المؤسسات فحسب، بل على قدرتها على احتكار العنف المشروع، كما استقرّ في أدبيات علم السياسة. غير أنّ هذا المفهوم، في الحالات المركّبة، لا يظهر بصيغته المكتملة، بل يتخذ أشكالاً متدرجة تعكس طبيعة التوازنات داخل كل مجتمع.

في هذا الإطار، تبدو الحالة اللبنانية نموذجاً لدولة ذات بنية هجينة، حيث يتوزّع استخدام القوة بين فاعلين متعدّدين بدرجات متفاوتة. وهذه الحالة لا تعبّر بالضرورة عن فوضى، بقدر ما تعكس نمطاً من الاستقرار الهش القائم على توازنات دقيقة وقابلة للاهتزاز.

لذلك، قد لا يكون توصيف “الدولة العميقة” الأدق لفهم الواقع اللبناني. فالمسألة لا تتعلّق بجهاز خفي داخل الدولة، بقدر ما تعبّر عن تداخل بنيوي بين مؤسسات رسمية ومراكز تأثير موازية تحدّد، بدرجات مختلفة، حدود الفعل السياسي.

تعود جذور هذا التداخل إلى مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، حين لم يُستكمل تفكيك مصادر القوة خارج الإطار المؤسسي، بل جرى استيعابها جزئياً ضمن النظام السياسي. وأفضى ذلك إلى معادلة غير مستقرة تجمع بين الشرعية الدستورية وتوازنات القوة الفعلية.

وقد كشفت محطات مفصلية، كاغتيال رفيق الحريري وأحداث السابع من أيار 2008، حدود هذه المعادلة، حيث برز التباين بين الإطار المؤسسي وموازين القوة على الأرض، من دون أن يقود ذلك إلى إعادة صياغتها جذرياً.

في هذا السياق، لا تكفي الآليات التمثيلية، وفي مقدمتها الانتخابات، لإنتاج سلطة مستقلة بالكامل، إذ تجري ضمن توازنات تحدّد مسبقاً نطاق التغيير الممكن. وبذلك، يغدو التمثيل السياسي، في كثير من الأحيان، انعكاساً لتوزيع القوة القائم أكثر مما هو أداة لإعادة تشكيله.

ولا يقتصر الأمر على بنية النظام السياسي، بل يمتد إلى العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالعوامل الاجتماعية والاقتصادية - ومنها طبيعة التعليم، وأداء الإعلام، وبنية الاقتصاد الريعي - تُسهم في إنتاج أنماط ارتباط سياسي تميل إلى التبعية أكثر مما تعزّز المشاركة، ما يضعف المحاسبة ويحدّ من فاعلية المواطنة.

بهذا المعنى، لا يكون المجتمع خارج الأزمة ولا سببها الوحيد، بل جزءاً من ديناميات إعادة إنتاجها، في تفاعل مستمر مع بنية النظام السياسي.

بالتوازي، لا يمكن إغفال الكلفة الإنسانية لهذه المعادلة. فقد دفع اللبنانيون، ولا سيما الشباب، أثماناً باهظة على امتداد العقود الماضية - بين تهجير وخسائر في الأرواح والممتلكات - في سياق الدفاع عن الأرض أو نتيجة صراعات فُرضت عليهم. غير أنّ هذه التضحيات، على أهميتها، لا تلغي الإشكالية البنيوية، بل تؤكد الحاجة إلى إطار دولة يحتضنها ضمن منطق قانوني جامع يمنع تكرار الكلفة ذاتها.

في هذا السياق، لا يكفي إصلاح المؤسسات أو تجديد الحياة السياسية ما لم يُطرح السؤال الأساسي بوضوح: كيف يمكن إعادة بناء الدولة على قاعدة احتكارها الحصري للقوة؟

في المحصّلة، لا تكمن الإشكالية في غياب معارضة سياسية بقدر ما تكمن في حدود قدرتها داخل ميزان قوى يقيّد إمكان التغيير. فبين من يتكيّف مع هذه التوازنات حفاظاً على موقعه، ومن يعجز عن تجاوزها، تتحوّل الممارسة السياسية - بدرجات متفاوتة - إلى جزء من إدارة الواقع القائم أكثر مما هي أداة لتغييره.

وفي غياب هذا التحوّل، يبقى السؤال مفتوحاً - لا كإشكالية نظرية، بل كحدّ فعلي لقدرة الدولة على الوجود.