في السياسة الأميركية، الخلاف طبيعي، بل هو جزء من هوية النظام. لكن ما نشهده اليوم يتجاوز الخلاف إلى نمط ثابت: معارضة أي خطوة فقط لأنها صادرة عن الرئيس دونالد ترامب. فالمسألة لم تعد مرتبطة بمضمون القرار، بل بهوية صاحبه.
إذا فاوض، يُتهم بالضعف وتقديم التنازلات. وإذا صعّد عسكريًا، يصوّر كمقامر يدفع نحو حرب مفتوحة. وإذا حاول الجمع بين الضغط والتفاوض، يقال إنه متخبّط بلا استراتيجية. ثلاثة خيارات، ثلاث مقاربات مختلفة… والنتيجة واحدة سلفًا: الإدانة.
هذا النمط لا يمكن تفسيره فقط على أنه رقابة ديمقراطية. في حالات كثيرة، خصوصًا داخل بعض المؤسسات الإعلامية، يبدو أن الدور تحوّل من موقع المراقب إلى موقع الخصم. وعندما يصبح الخطاب قائمًا على رفض دائم، يفقد قدرته على التمييز. لا يعود السؤال: هل القرار صحيح أم خاطئ، بل كيف نثبت أنه خاطئ؟
خذوا مثالا على ذلك ما رافق ما عُرف بـ "حرب الـ 12 يومًا". الرواية التي قدّمها فريق من الإعلام الأميركي ركّزت على التشكيك بفعالية الضربات، رغم أن صور الأقمار الاصطناعية أشارت إلى دمار واسع في المواقع النووية المستهدفة، مع بقاء اليورانيوم مطمورًا، ليتحوّل النقاش لاحقًا إلى مسألة نقله أو سحبه. بل إن مؤشرات صدرت عن الجانب الإيراني نفسه أقرّت بفعالية الضربات، ما يعزز فرضية أن حجم الضرر كان أكبر مِمّا رُوّج له في بعض التغطيات.
لائحة الأمثلة تطول وتطول، لكن الخلاصة واحدة. رواية جاهزة تتكرّر: ترامب يتخبّط ويتلعثم بغض النظر عن الوقائع. وأضف إلى ذلك خطابًا أوروبيًا عمد في كثير من الأحيان إلى شيطنة هذه الحرب، في سياق تبرير مواقف سياسية أكثر مِمّا هو قراءة موضوعية لتطوراتها.
هذه المقاربة لا تبقى محصورة داخليًا. فهي توفر مادة دعائية جاهزة لخصوم الولايات المتحدة، وفي مقدّمهم إيران التي تستثمر في تضخيم الانقسامات الأميركية، سواء عبر الأخبار المضلّلة أو المحتوى المفبرك المدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأحيانًا عبر إعادة تدوير مواقف صادرة من شخصيات أميركية مؤثرة.
لكن الأخطر هو ما يتركه هذا الخطاب من أثر داخل المجتمع الأميركي نفسه. فالتصعيد الإعلامي والسياسي المستمرّ لا يكتفي بتأجيج الانقسام، بل يساهم في شحن النفوس ودفع بعض الأفراد إلى ترجمة هذا الاحتقان بأفعال على الأرض. وما شهدناه في حادثة كول توماس آلين، الذي حاول تنفيذ هجوم خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض لاستهداف أفراد من الإدارة، يشكّل نموذجًا خطرًا على هذا المسار. بغض النظر عن الدوافع الفردية، فإن البيئة المشحونة توفر الأرضية لمثل هذه السلوكيات، التي لا تخدم في نهاية المطاف سوى خصوم واشنطن.
في هذا السياق، لا يبدو مستغربًا ما قاله وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أمام لجنة القوات المسلّحة في مجلس النواب: "أكبر تحدّ نواجهه وأخطر خصم اليوم، هو الكلمات الطائشة، عديمة الكفاءة والانهزامية الصادرة عن الديمقراطيين في الكونغرس وبعض الجمهوريين".
في النهاية، المسألة لا تتعلّق بالدفاع عن رئيس أو مهاجمته، بل بقدرة الخطاب السياسي والإعلامي على الحفاظ على حدّ أدنى من الموضوعية. لأن اللحظة التي يصبح فيها كلّ شيء خطأ، هي اللحظة التي يفقد فيها النقد معناه.