ليست نظرية المؤامرة حديثة العهد في المجتمعات البشرية، فجذورها ضاربة في أعماق التاريخ. كلّما طرأ حدث هام أو مغرٍ أو غامض، طفت إلى السطح "الهلوسات المؤامرتية" التي تنطلق من واقعة حقيقية لتغوص في عالم موازٍ من روايات الإثارة التي لا تستند إلى أي معلومات موثوقة أو معطيات فعلية، بيد أنها تبقى أكثر جاذبية بما لا يُقاس مقارنة باليقين. ما الهدف من وراء نشر "نظرية المؤامرة"؟ تختلف غايات منظريها باختلاف خلفياتهم وما يصبون إلى إتمامه. تقف أحيانًا كثيرة "جهة نافذة" خلف بث مثل تلك الفرضيات بغية تضليل الرأي العام وتوجيهه نحو مسار يحقق مصالحها، لكنّ كثيرين آخرين يميلون إلى عدم تصديق "الرواية الرسمية" أو أخبار المؤسسات الإعلامية التقليدية، ويجنحون نحو تبني خزعبلات تتناسب ونظرتهم للأمور، علمًا أن هؤلاء عديمو التفكير غالبًا ما لا يتابعون تفاصيل القضية التي يكلّفون أنفسهم عناء تفكيك "ألغازها".
تعتبر الولايات المتحدة من الدول التي تشهد تداولا مهولا لنظريات المؤامرة عند أي مناسبة أخاذة أو من دونها، حتى منذ ما قبل الاستقلال عام 1776. لطالما تفجّر هذا الجنون الجماعي مع اغتيال أو محاولة اغتيال رؤساء وشخصيات قيادية، من أبراهام لينكولن مرورًا بجيمس غارفيلد وويليام ماكينلي، وطبعًا جون كينيدي، ومارتن لوثر كينغ جونيور ورونالد ريغان، وصولا إلى تشارلي كيرك ودونالد ترامب. نجا ترامب من ثالث محاولة اغتيال جدّية خلال حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض السبت الفائت. ورغم أن التقارير حول مطلق النار بدأت تتكشف بسرعة، إلا أن ذلك لم يحل دون اجتياح نظريات المؤامرة العالم الافتراضي، خصوصًا تلك التي تتهم الرئيس الجمهوري بتدبير محاولة اغتياله لصرف أنظار الأميركيين عن سياسات إدارته غير الشعبية، مع الإشارة إلى أن محاولتي اغتياله السابقتين، عندما كان لا يزال مرشحًا رئاسيًّا، طالتهما ادعاءات بأنهما مزيّفتان.
بصرف النظر عن أن المصابين بـ "متلازمة الهوس بترامب"، يستغلّون أي معطى جديد لتصويب سهامهم الحاقدة على الرئيس، إلا أن الخلل في أصحاب نظرية المؤامرة يكمن في أنهم كثيرًا ما يُسقطون مشكلاتهم الشخصية واضطراباتهم النفسية والعقلية على ما يشهدونه من حولهم، فيعمون بصيرتهم ويلوّثون مسامع متابعيهم. وما يزيد في الطين بلّة أن هذه الفئة من الناس ليس لديها أي ثقة بـ "النظام" بشكل عام وبكلّ ما له علاقة بالسلطات وما يصدر عنها. هذه الذهنية المشكّكة بكلّ شيء تدفعهم إلى إصدار أحكامهم الخاصة أو تبني فرضيات تنسجم مع أفكارهم المسبقة ومشاعرهم المرهفة. وما يساعدهم على الترويج لتصوّراتهم، أن تحليلاتهم في بعض الأوقات تكون مدعومة بشواهد تستند إلى توجهات قائمة بالفعل، كالقول مثلا إن ترامب رتب محاولة اغتياله بهدف تأكيد صوابية خياره بضرورة تشييد قاعة احتفالات ضخمة وآمنة في البيت الأبيض.
تجمع نظرية المؤامرة الحمقى والتافهين من ضفتي اليسار واليمين. تتباين تخيّلاتهم وتتفاوت جذريًّا في معظم الأوقات بطبيعة الحال، لكنها تتلاقى بكونها في حال طلاق مع الحقيقة. يُسعّر "البودكاسترز" والمؤثرون، ولا سيّما المجانين منهم، انتشار تلك الحكايات الملفقة وتداولها في سوق السجالات الشعبية والسياسية، باستخدام منصّاتهم القوية التي استحالت بمثابة "أسلحة دمار شامل" فكرية تدرّ عوائد مالية مرتفعة لأصحابها الذين يغتنمون "مادة مغرية" ويتلاعبون بها لتكثيف "التفاعل المثمر" معهم. مجرّد ربط أي حادثة أو معضلة باليهود أو إسرائيل، وتقديمها بحبكة مشوّقة، كفيل بجعل القصة تحطّم نسب المشاهدة القياسية. لقد غدت الحروب الفكرية والسياسية والثقافية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، فالخطورة لا تتجسّد فقط بالمطابخ التضليلية، بل باغتيال الحقائق الصارخة وتهميش التفكير النقدي والتحليل المنطقي. وهذا بالضبط ما تفعله نظرية المؤامرة: لا تفكّر، دعني أفكّر عنك!