لا يمكن اختزال أزماتنا المتكرّرة بأسماء أشخاص أو تبدّل وجوه، لأن جوهر المشكلة أعمق بكثير: إنه في الفكرة التي تحكم سلوك الأفراد والجماعات، وفي شكل النظام الذي ينظّم علاقتهم ببعضهم البعض. فكل فرد أو جماعة تقوم على "عقيدة" تدمير الآخر بدل بناء الذات، محكوم عليها أن تعيش في قلق دائم، بلا استقرار ولا سلام ولا أي إمكانية للتقدّم. فكيف إذا تحوّلت هذه العقيدة إلى مشروع جماعي، في بلد كلبنان، حيث التركيبة المجتمعية تسمح لأي مكوّن بالتأثير على حياة باقي المكوّنات؟
هذا السؤال الجوهري أعاد طرحه الوزير جو عيسى الخوري من خلال دراسة حضّرها ضمن مجموعة "إتّحاديون" وقدّمها البارحة عبر برنامج "صار الوقت"، واضعًا اللبنانيين أمام مسؤولية التفكير بمستقبلهم بجدّية معتبرًا أن النظام الحالي في لبنان لا يخدم لبنان وتعددية شعوبه وأن الفدرالية هي من اسمى مظاهر اللامركزية ومن أنجح التركيبات للشعوب المتعددة الهويات أو اللغات أو الثقافات أو الأديان، خاصة لو شُبكت بالحياد ستكون الأفضل للبنان.
اهتمام بحياة اللبناني اليومية، وحماية الطوائف والتعددية والهوية اللبنانية المبنية على 4 مكونات : المسيحيون، الشيعة، السنة، والدروز ضمن مناطق منفصلة جغرافيًّا ومتصلّة فدراليًّا مستشهدًا بالإمارات العربية المتحدة وسويسرا والمزيج المزدهر من مناطق كل منهما.
لقد حان الوقت أن نتّحد، لا حول شعارات "التعايش" و "الوحدة الوطنية"، بل حول المشكلة نفسها، وأن نتّحد في البحث عن حلول حقيقية للأجيال القادمة، بعد أن ضاعت أعمار أجدادنا بحثًا عن الأمن، وأعمار أهلنا في محاولة تثبيته، وأعمارنا نحن في السعي نحو الأمان والاستقرار والازدهار.
من هنا، تعود المقولة الواضحة التي شدّد عليها رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في أكثر من محطة: "مشروعنا هو الإنسان"، الإنسان بحريته، بكرامته، بمعتقداته، وبحقه أن يعيش كما يريد ضمن مجتمعنا اللبناني التعددي. هذا المبدأ ليس شعارًا، بل قاعدة فكرية: الأنظمة وُجدت لخدمة الإنسان، لا ليكون الإنسان في خدمتها. وعندما تنقلب هذه المعادلة، يبدأ الانهيار.
في لبنان، المشكلة لم تكن يومًا فقط في الأشخاص، بل في شكل النظام نفسه. نحن أمام مجتمع متعدّد، مليء بهويات عميقة ومتجذّرة، اصطدمت عبر التاريخ في محطات عديدة: 1958، 1969، 1973، 1975، وصولًا إلى اليوم. وفي كل مرة، كان السبب نفسه يتكرّر: عندما تنخرط جماعة لبنانية في مشروع خارجي أو تتبنّى أيديولوجيا غريبة عن طبيعة لبنان، يدفع الجميع الثمن.
لهذا، لم يعد مقبولًا أن نبقى ندور في الحلقة نفسها كل عقد من الزمن. المطلوب اليوم شجاعة فكرية حقيقية: أن نسأل أنفسنا بصدق، أي نظام نريد؟ نظام يضمن حرية الفرد؟ أم نظام يختزل الإنسان داخل مشروع جماعي مفروض عليه؟ نظام يعكس واقع التعددية اللبنانية ويحميها، أم نظام يحاول طمسها فيتحوّل الصراع حتميًا؟
أي إصلاح جدّي على صعيد النظام أو الصيغة أو التركيبة، يجب أن ينطلق من ثلاث ركائز أساسية لا يمكن القفز فوقها. أولًا، مساحة لبنان التي دفعت المقاومة اللبنانية ثمن الحفاظ عليها 10452 كلم أغلى الأثمان، ثانيًا، ضمان مشاركة جميع المكوّنات ومنع هيمنة فئة على أخرى، وثالثًا، الحكم التوافقي، الذي يعني التفاهم ضمن الدستور، لا الابتزاز خارج مؤسساته.
لكن التحدّي الأخطر يبقى في مسألة المشاريع الخارجية. من تجربة "المقاومة الفلسطينية" في الماضي إلى "المقاومة الإيرانية" اليوم، يطرح السؤال نفسه: هل يجوز أن تتبنّى جماعة لبنانية مشروعًا إقليميًا أو دوليًا، وتفرض تبعاته على كل اللبنانيين؟ هل يُعقل أن يكون خيار الحرب أو السلم بيد فئة واحدة، بينما يدفع الجميع الثمن؟
هل من المنطق أن تقررّ جماعة واحدة وحدها الحرب وعند ذهاب بقية اللبنانيين إلى المفاوضات المباشرة لإنهاء الموت والدمار ووقف حنفية الدماء، تسأل الجماعة نفسها "أين الإجماع" ؟!
إن لبنان الذي يُدفع إلى "الأنفاق"، إلى الحروب الدائمة والاستعداد المستمر للموت، ليس لبنان الذي يريده معظم أبنائه. اللبنانيون يريدون بلدًا في الضوء والهواء، بلدًا يشبه الحياة لا الموت، يسعى إلى الإزدهار لا الدمار. وهنا يستحضرنا قول الشاعر هنري زغيب الذي لخّص تعاستنا اللبنانية بوضوح: "ويا تَعَس من ينادي بوطن غير وطنه، وهوية غير هويته…".
لبنان ليس ساحة لتجارب الآخرين، ولا ثوبًا يمكن تبديله بحسب المصالح والانتماءات. هو هوية، ومسار، وقضية وتعددية. وإذا لم ننجح في بناء نظام يعكس هذه الحقيقة ويحمي الإنسان فيه، سنبقى ندفع ثمن التاريخ مرة بعد مرة.
في الخلاصة، لو كان ل "لبنان الكبير" "لسان" لسأل: من يقرّر الحروب ومن يدفع الثمن؟
ولأجاب: لا يمكن أن نستمر إلى ما لا نهاية أسرى تعايش قسري بين مشروعين لا يلتقيان. فإما أن نلتقي بوضوح حول مشروع، الدولة، والحياة، أو نبقى عالقين في صراع مفتوح، لن تغلب فيه أي جماعة، لن تنتصر فيه إلا الخسارة.