بين التأويل السياسي وتشويه الموقف

3 دقائق للقراءة
تصوير: رمزي الحاج

تتوالى في الساعات الأخيرة حملة تستهدف مواقف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، على خلفية تصريحاته الأخيرة المرتبطة بمسار السلام المحتمل في المنطقة، في سياق النقاش الدائر حول مستقبل لبنان في ظل التحولات الإقليمية والضغوط الاقتصادية المتفاقمة. غير أنّ مصادر مطّلعة ترى أن ما يجري يتجاوز النقد السياسي المشروع، ليصل إلى مستوى "الاجتزاء الممنهج" لكلام جعجع وتحريف مضمونه.

وتوضح هذه المصادر أنّ الجدل انطلق من سؤال مباشر وُجّه إلى جعجع حول المسار الذي قد يسلكه لبنان في ملف السلام واذا كان لبنان يتجه نحو اتفاقيات على غرار الاتفاقيات الإبراهيمية، أم يلتزم بالإجماع العربي كما نصّت عليه مبادرة السلام العربية عام 2002.

وبحسب المصادر، جاء جواب جعجع واضحًا ومركّبًا، إذ ميّز بين "الوضعية المثالية النظرية" و"الواقع العملي". ففي الشق النظري، شدّد على أن الخيار الأفضل يبقى الذهاب إلى سلام ضمن إجماع عربي، انسجامًا مع المبادئ التي كرّستها مبادرة بيروت عام 2002. إلا أنه في المقابل، لم يتجاهل الواقع اللبناني الضاغط، معتبرًا أن هناك أولوية لبنانية تفرض نفسها اليوم على كل النقاشات.

هذه الأولوية، وفق جعجع، تنبع من الانهيار الاقتصادي الحاد الذي يهدد الدولة اللبنانية، لا سيما مع مؤشرات خطيرة تتعلق بقدرتها على الاستمرار في دفع الرواتب خلال الأشهر المقبلة، في ظل غياب أي أفق واضح للمعالجة. من هنا، شدّد على ضرورة مقاربة الملف من زاوية عملية، تقوم على اتخاذ خطوات عاجلة ضمن المسار التفاوضي، بما يساهم في إخراج لبنان من المأزق الذي يرزح تحته.

وترى المصادر أنّ ما تعرّض له هذا الموقف من اقتطاع وانتقاء، أدى إلى قلب معناه بالكامل. فبدل الإضاءة على التمييز الذي طرحه جعجع بين الإطار النظري والضرورات العملية، جرى تصوير كلامه وكأنه دعوة للانخراط في مسار معيّن على حساب آخر، متجاهلين السياق الكامل للتصريح.

وتضيف أن جوهر موقف جعجع لم يكن في المفاضلة الأيديولوجية بين مسارين، بل في إبراز أولوية إنقاذ لبنان، انطلاقًا من واقعه المتدهور. فبالنسبة إليه، لا يمكن التعامل مع ملف السلام بمعزل عن الأزمة الداخلية، بل يجب أن يكون جزءًا من مقاربة شاملة تهدف إلى وقف الانهيار وإعادة بناء الدولة.

في هذا الإطار، تؤكد المصادر أن "الأولوية اللبنانية" التي تحدّث عنها جعجع لا تعني القفز فوق الثوابت العربية، بل تعكس قراءة واقعية لحجم التحديات التي تواجهها البلاد، وتفرض الانتقال من النقاش النظري إلى البحث في خطوات عملية قابلة للتنفيذ.