جيّدٌ أن تجد، بعد، على طول الساحل اللبناني الممتد على 220 كيلومترًا، مئات الأمتار متاحة لعشاق الشمس والبحر. جيّدٌ أن تهتم البلديات في تأمين شروط السلامة العامة ونظافة الشاطئ العمومي، وأن تحظّر المشروبات الكحولية، وإدخال الحيوانات الأليفة.
وجيّد أن تمنع الموسيقى الصاخبة المستفزّة. ولو كان في مقدورها أن تمنع زعيق ولد تحاول أمه ترطيب رأسه بسكب دلو ماء فوقه لفعلت.
وجيّدٌ جداً أن تمنع الأراكيل. أما الأمر السيّء أن يُكسر قرار المنع.
قبل ظهر الثلثاء جهّزت نفسي وحقيبة البحر لساعات استرخاء على شاطئ جبيل الرملي: أعداد قديمة من "نداء الوطن" لمعالجة شبكات كلمات متقاطعة ما زالت بِكرا. كتاب وليد بك. قنينة مياه مثلّجة. كيس قضامي مالحة. "هيدفونز" لسماع أغاني فيروز حصراً، إن سمحت ريما بذلك.
كثافة بشرية على الشاطئ. حسناوات. مترهلات. عضلات منفوخة. كروش متدلية. صغار. كبار. عشّاق. سُمجاء. تشكيلة واسعة من كل صنوف الناس. حجزت كرسي التشمّس. تمركزت في صف ثانٍ. أمامي صف كراس "كومبليه " وخلفي صفّ شبه مكتمل. آه لرائحة اليود والملح ورائحة الكريم المتسللة من مكان ما. فجأة شممت رائحة أركيلة أولى وسمعت كركرة الماء فيها. أربعة رجال على بعد مترين من مكان تمركزي يثرثرون تحت شمسية. واحد منهم "يؤركل" مستمتعًا بالدخان طالعًا من فمه ومنخريه وأذنيه، وإذ به يطلب لأحدهم أركيلة أخرى على حسابه. نادى المشرف على تنظيم صفوف الكراسي ونقده عشرة دولارات "بدي تفاحتين". طلب رأس الشمام تفاحتين.
إلى يساري تمددت شابتان على كرسيين استسلمتا لجلسة برونزاج صامتة دامت حوالى الساعة. بعدها سألت إحداهن الأخرى: أنا عطشت إنت ما عطشتي؟ خلينا نطلب شي.
طلبت الأكثر عطشًا عصيرًا وجزرًا وسألت رفيقتها: شو رأيك بأركيلة؟
بدل الأركيلة اثنتان. إنها الثلاثية البحرية السحرية: عصير وجزر وأركيلة.
أشحت بنظري عنهما. سبحت قليلا. عدت إلى موقعي مسرعًا بعدما تذكرت إسم ثالث سلاطين الدولة العثمانية الوارد في 2 أفقيًا. وكانت الأركيلة الثالثة في انتظاري. سيدة فاتها قطار العمر ولم تشأ أن تفوت لحظات ممتعة وهي تمج من مبسم الأركيلة بقدر ما يختزن صدرها من أشواق لتعيد نفثه على شط جبيل وهي تدندن: ع شط جبيل سهرني حبيبي/ وبزهر جبيل توجني حبيبي/ ملكة عالبحر وعالفقر/ وع عتم الليل...
أركيلتان من الأمام، وأركيلتان إلى اليسار، وأركيلة إلى اليمين، فأين المفرّ؟