تتزاحم منذ مدّة على منصّات مواقع التواصل، شرائط مصوّرة لوجوه ومشاهد أثارت في نفوس اللبنانيين نفحة "نوستالجيا" لزمن مضى بناسه وأغنياته وفنانيه وسياراته وطبيعته ومبانيه، وكلّ التفاصيل التي ترسم عصرًا انقضى في الشكل، لكنه على ما يبدو لا يزال حاضرًا حنينًا لماضٍ عاشه البعض فيما يتعرّف عليه جيل لم يعاصره من خلال فيديوات وصُوَر الذكاء الاصطناعي.
تغيّرت أدوات التعبير البصريّ وتبدّلت حدوده مع دخول الذكاء الاصطناعي عالم الصوت والصورة، وبرز جيل جديد من صانعي المحتوى الذين يعيدون صياغة العلاقة بين الذاكرة والصورة المعاصرة. في هذا الإطار، يؤكد صانع المحتوى والمصوِّر مانويل البتلوني أن استخدامه الذكاء الاصطناعي انطلق من رغبته في تقديم صورة مختلفة ومؤثرة عن لبنان الذي "يحمل جمالا وقصصًا وتفاصيل كثيرة، لكن ثمّة جوانب منها لا تصل إلى العالم بالشكل الكافي. والذكاء الاصطناعي يمنح وسيلة للتعبير عن هذه الهوية بأسلوب إبداعيّ حديث يجمع بين الفن والتكنولوجيا".
يقول البتلوني في حديثه مع "نداء الوطن" إن ما يقدّمه ليس مجرّد محتوى، بل محاولة للحفاظ على صورة لبنان ونقلها بطريقة أقوى وأكثر قربًا إلى القلب. "أعتمد في أفكاري على مبدأ أساسيّ يقوم على أن المحتوى الذي يلامس الناس هو الأكثر انتشارًا. وكمصوّر، أسعى إلى ابتكار أفكار يصعب تنفيذها بالطرق التقليدية"، لذا، يضيف البتلوني، "أبحث دائمًا عن قصص حقيقية من الحياة اليومية، حيث أرى مشاهد بسيطة لكنها تحمل عمقًا إنسانيًا، من تفاصيل القرى إلى وجوه كبار السن ولحظات تعبّر عن الهوية والحنين".
هذه العناصر "تخلق ارتباطًا عاطفيًّا مع الجمهور، وهو العامل الأهمّ في انتشار أي فيديو"، كما يقول البتلوني، الذي يحرص في فيديواته المولَّدة بالذكاء الاصطناعي على أن "تبدأ الفكرة بلحظة لافتة في الثواني الأولى، لجذب الجمهور، على منصّات مثل "إنستغرام" و "تيك توك". بعد ذلك، أبني فيديو قصيرًا قائمًا على سرد بسيط وواضح يترك أثرًا أو شعورًا عند المشاهد، سواء كان فخرًا أو حنينًا أو حتى تساؤلا".
أمّا في ما يتعلّق بالأدوات المستخدَمة، فيخبرنا أنه لجأ إلى برامج مثل "Nano Banana" و "Kling"، إلى جانب "Adobe Premiere" و "InShot" في المونتاج، خصوصًا عند الحاجة إلى معالجة أكثر احترافية، مؤكدًا أن "اختيار الصوت أو الموسيقى يؤدّي دورًا كبيرًا في إيصال الإحساس وتعزيز فرص انتشار الفيديو"، وأن النجاح لا يعتمد فقط على جودة الصورة، بل على قوّة الفكرة وصدق الشعور.
لكن كيف يفسّر الفنان الشاب التفاعل السريع للمتلقين مع هذا النوع من المحتوى؟ يجيب أن الأمر يعود إلى كون أعماله تعكس جزءًا من حياة الناس وتجاربهم، حيث "تحمل هذه الأعمال مشاعر حقيقية مثل الحنين أو الفخر أو حتى الألم، وهذه المشاعر تصل مباشرة من دون تعقيد"، ما يجعل المُشاهد "يشعر بالقرب منها ويميل إلى التفاعل ومشاركتها".
توثيق التراث
الذكاء الاصطناعي قادر على إحداث تحوّل كبير في توثيق التراث والثقافة اللّبنانية، بحسب مانويل البتلوني الذي يوضح أن هذه التقنية "تتيح بأدوات متقدّمة إعادة إحياء الصُّوَر والمواد القديمة وتحسين جودتها وتحويلها إلى محتوى بصريّ وسرديّ أكثر جذبًا للأجيال الجديدة"، مشيرًا إلى أنه يساعد أيضًا في "تنظيم الأرشيف وتحليل المحتوى واقتراح أفكار جديدة مبنيّة على أنماط اهتمام الجمهور. والذكاء الاصطناعي لا يغيّر التراث نفسه بل يغيّر الطريقة التي نرويه بها".
ويلفت البتلوني إلى أنه يسعى في فيديواته إلى نقل لبنان كما هو، "بتفاصيله الحقيقيّة والبسيطة، لكن مع اختيار الزوايا التي تُظهِر جماله وروحه"، موضحًا أن الهدف "ليس تجميل الواقع أو تجاهل التحدّيات، بل تسليط الضوء على الجانب الذي يستحق أن يُرى ويُحفظ". لكنه في المقابل يحذّر من مخاطر فقدان الأصالة، معتبرًا أن "تحويل المحتوى إلى إنتاج قائم بالكامل على الذكاء الاصطناعي قد يضعف قيمة الذاكرة البصرية والثقافية". كما ينبّه إلى خطر "انتشار معلومات مضلّلة أو مَشاهد مفبركة تُنسب إلى لبنان وهي غير حقيقية"، مشدّدًا على أن "الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يُستخدم كأداة مساعدة في السرد والتوثيق، لا كبديل عن الواقع".
ذاكرة جماعية مفقودة
بالانتقال إلى المُخرج الإبداعي علي ماجد، يقول "إن تعامله مع الذكاء الاصطناعي انطلق من قناعة واضحة بدوره كأداة، تمامًا مثل الكاميرا أو القلم. والبصمة لا تأتي من الأداة بل من العين التي توجّهها". "أبدأ دائمًا من إحساس أو ذكرى أو مشهد سينمائي عشته، ثم أستخدم الذكاء الاصطناعي لتحويله إلى صورة، فالإبداع هو قراري، فيما يبقى الذكاء الاصطناعي مجرّد وسيلة جديدة للتعبير"، يقول ماجد لـ "نداء الوطن"، شارحًا أنه استعاد في أعماله لحظات من الماضي لا وجود لها في الأرشيف: "أتذكّر لحظة أو صورة أحبُّ أن أراها مجددًا، ثم أضع نفسي مكان المُشاهد وأسأل: بماذا أريد أن أشعر حين أشاهد هذه اللّقطة؟ الإجابة عن هذا السؤال، تُشكّل بداية القصة قبل أن تتبلور الفكرة الأشمل. الذكاء الاصطناعي ساعدني على استعادة لحظات لم تُصوَّر وتحويلها إلى مشاهد حيّة، كأنني أُخرج فيلمًا من ذاكرة جماعية مفقودة".
يتابع ماجد شارحًا أن "الأسلوب يخضع للإحساس، وإذا كانت الفكرة حنينًا إلى لبنان، أختار الواقعية الدافئة، بينما إذا كانت تأمّلا أو حلمًا، أذهب نحو السريالية. وأستخدم الأسلوب السينمائي عندما أريد أن أروي قصة كاملة في لقطة واحدة، حيث يمنحني تعدّد زوايا الكاميرا والإضاءة الديناميكية واقعية وعمقًا، ما يجعل المُشاهد يعيش اللّحظة بدل أن يراها فقط، فكلّ أسلوب هو لغة، وأنا أختار اللّغة التي تفهمها الفكرة".
هدف المخرج علي ماجد يتجاوز إنتاج صور ومشاهد لافتة بصريًّا، إذ يسعى إلى إثبات أن "الذكاء الاصطناعي ليس بديلا عن الفنان بل امتدادًا له، وأن الفن العربي قادر على أن يكون في طليعة هذه التحوّلات. تخيّل ثمّ اصنع ولا تنتظر إذنًا من أحد".
عن تأثير إقامته خارج لبنان على إنتاجاته، يقول ماجد: "المسافة منحتني قدرة كبرى على النظر إلى البلد بوضوح وهدوء، بعيدًا من ضغوط الانقسامات اليومية، ما أتاح لي التعبير عنه بصدق ومن دون انحياز. وفي الوقت نفسه، أحرص على البقاء متصلا بنبض الشارع، حتى لا يتحوّل لبنان في أعمالي إلى صورة مثالية أو ذكرى بعيدة". ويختم مؤكدًا أن لبنان يشكّل محورًا أساسيًا في أعماله، لِما يحمله من تنوّع ثقافيّ وطبيعيّ وعمق تاريخيّ، وهو ما يسعى إلى نقله إلى العالم. لذلك، يقدّمه كما هو، بكل تناقضاته، رافضًا اختزاله في صورة مثالية أو في أزماته فقط، لأن الصدق، برأيه، هو المصدر الحقيقي للجمال.
في الخلاصة، يبقى الذكاء الاصطناعي مجرّد وسيلة، أمّا الجوهر الحقيقي فيكمن في القصة التي نختار أن نرويها. ولبنان، بكل ما يحمله من وجع وجمال وتناقض، سيظلّ مصدر إلهام لا ينضب، تُروى حكاياته بأدوات مختلفة لكن بروح واحدة. وحين يلتقي الصدق بالإبداع، تتحوّل الصورة إلى ذاكرة، ويصبح الفن جسرًا يصل بين الماضي والحاضر، وبين لبنان والعالم.

