ليس تفصيلا عابرًا أن تبلغ الحملة على البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي هذا المستوى من الانحطاط. ففي بلد كلبنان، حيث لا تُعدّ الرموز الدينية مجرّد مواقع روحيّة، بل ركائز في التوازن الوطني، لا يمكن قراءة هذا التعرّض بوصفه حادثة معزولة أو "تفلتًا" عابرًا على وسائل التواصل الاجتماعي، بل هو تعبير عن مناخ سياسيّ يسمح بالإهانة ويحوّلها إلى أداة ترهيب.
في التجربة اللبنانية، لم يكن العنف مجرّد وسيلة ظرفية، بل كان خيارًا سياسيًا متكاملا سعت قوى معيّنة إلى ترسيخه عبر تعبئة دينية - رمزية تعيد توظيف التاريخ في الحاضر. غير أن هذه المقاربة، رغم قدرتها على فرض أمر واقع مرحلي، تحمل في داخلها بذور فشلها. فلبنان، بحكم تركيبته، لا يُحكم بالغلبة، بل يُعاد إنتاجه كفضاء للحرية والتعدّد.
منذ سبعينات القرن الماضي، لم تكن الطائفة الشيعية كتلة مغلقة، بل بيئة غنيّة بالتنوّع الفكريّ والسياسيّ. إلا أن صعود "الشيعية السياسية" المرتبطة إقليميًا أعاد تشكيل هذه البيئة عبر أدوات الترغيب والترهيب، وصولا إلى اختزالها في ثنائية سياسية - عسكرية واحدة. وهذا التحوّل لم يكن طبيعيًا، بل نتيجة هندسة سياسية اعتمدت العنف أداةً للضبط الداخلي ووسيلةً للفرض الخارجي.
الإشكالية الأعمق تكمن في شرعنة هذا العنف عبر استدعاء الرموز الدينية. مثالا معركة كربلاء، التي تختزن معنى الوقوف في وجه الظلم، تُستخدم اليوم كأداة تعبئة لحروب لا تمتّ إلى سياقها التاريخيّ. وكذلك تتحوّل شعارات مثل "هيهات منا الذلّة" من رفضٍ للظلم إلى غطاء لممارسات تُنتج ظلمًا جديدًا. وعندما يُستخدم الدين لتبرير العنف، يفقد هذا العنف أيّ شرعية أخلاقية، ويغدو نقيضًا للقيم التي يدّعي تمثيلها.
في المقابل، تقدّم التجربة اللبنانية نموذجًا مختلفًا من داخل البيئة الشيعية نفسها، مع موسى الصدر، الذي انطلق من المطالبة بالدولة والعدالة لا من السلاح. كان خطابه موجّهًا نحو بناء شراكة وطنية، لا نحو فرض هيمنة، ما يؤكد أن الخيار الشيعي في لبنان لم يكن يومًا محصورًا بالعنف، بل كان في جوهره خيار دولة.
لكن مع تحوّل العنف السياسي في العقود الأخيرة لدى "الحزب المحظور" إلى أداة شبه وحيدة، من اغتيال المعارضين وصولا إلى إهانة الرموز الدينية والقادة الروحيين، بدأت نتائجه تتراكم: تعطيل مؤسسات الدولة، تآكل الاقتصاد، وتعميق عزلة لبنان، إلى جانب خلق فجوة متزايدة بين اللبنانيين. والأخطر أن هذا النهج ساهم في تكريس صورة نمطية تختزل طائفة كاملة في سلوك سياسيّ محدّد، رغم أن هذه الطائفة نفسها تعاني من هذا الاختزال. وهنا يتبدّى أحد أبرز مؤشرات الفشل: حين يتحوّل السلاح من أداة حماية إلى سبب عزلة، يفقد مبرّره السياسي.
في المقابل، لم يتبنَّ المجتمع اللبناني منطق الإلغاء، بل بقيت هناك محاولات دائمة لمدّ الجسور والتأكيد أن الخلاف هو مع مشروع سياسي لا مع طائفة. وهذه الدينامية تعكس حقيقة بنيوية: لبنان يرفض الاحتكار، وأي محاولة لفرضه تنتج حكمًا ردّ فعل معاكسًا.
هنا تتجلّى المفارقة: قد يفرض العنف وقائع آنية، لكنه يفشل في بناء شرعية مستدامة. فكل تجربة حاولت اختصار الدولة أو تجاوزها انتهت إلى الانهيار. من عبد الناصر وحربه الداخلية عام 1958، مرورًا بالسلاح الفلسطيني وصولا إلى طرد الاحتلال السوري. لذلك، فإن إعادة إنتاج نموذج قائم على الغلبة، حتى تحت غطاء ديني أو رمزي، ليست سوى إعادة تدوير لمسار أثبت التاريخ اللبناني فشله.
في الخلاصة، العنف - ماديًا كان أم رمزيًا - لا يصنع سلطة دائمة في لبنان. قد يفرض صمتًا موقتًا، لكنه يولّد تراكمات من الرفض تنفجر لاحقًا. وما صنع لبنان الحرية لم يكن فائض القوّة، بل القدرة على مقاومة هذه التجارب والانتصار عليها وتحويلها إلى دروس في التاريخ الجماعي، كمحطات في مسار بناء لبنان.
إن مستقبل الشيعة في لبنان لا يكمن في تجاوز الدولة، بل في تعزيزها. ولا مبرّر للخوف من أن يؤدّي نزع السلاح إلى تهميشهم، إذ إن ما يهدّدهم فعلا هو العزلة التي فرضها هذا السلاح عليهم. لبنان بحاجة إلى شيعة أقوياء بشراكتهم مع سائر مكوّناته، لا بمنطق التفوّق عليهم.