الدكتور سايد حرقص

هل سلاح "حزب الله" هو العقدة الوحيدة؟

6 دقائق للقراءة

​تُطرح اليوم مسألة سلاح "حزب الله" بوصفها العائق الأساسي أمام قيام الدولة في لبنان، لكن قراءة المسار التاريخي لنشوء الحزب تكشف أن السلاح ليس إلا رأس جبل الجليد ومجرد "أداة" لمشروع أعمق، وأن المشكلة الحقيقية تكمن في الهوية التأسيسية والارتباط العضوي بالحرس الثوري الإيراني الذي خطط لبناء منظومة موازية للدولة منذ اللحظة الأولى.

​لم يخرج "حزب الله" من رحم أفكار وطنية لبنانية أو حتى كرد فعل مقاوم للاحتلال الإسرائيلي كما يجهد بعض المأجورين من مخلفات اليسار اللبناني العلماني على تسويقه، بل وُلد كتمردٍ عقائديّ إيرانيّ الهوى داخل حركة أمل عام 1982، رداً على رفض رئيس الحركة، نبيه بري، الانصياع لرغبة السفير الإيراني، موسى فخر روحاني، بالانسحاب من هيئة الإنقاذ الوطني، مما أدّى إلى ظهور تيارٍ شيعيٍّ جديد يرى في “ولاية الفقيه” مرجعيةً تسمو على المصلحة الوطنية اللبنانية. هذا الارتباط تجسّد في إرسال فرقةٍ إيرانية إلى البقاع، تُعرَف باسم «محمد رسول الله» والتابعة للحرس الثوري الإيراني، لوضع الأساس الأول لبناءٍ لم يقتصر على البعد العسكري، بل شمل أبعادًا ثقافية واجتماعية وتربوية. وقد جرى ذلك بالتنسيق مع نظام حافظ الأسد في سوريا، الذي كان يُسهِّل إيصال السلاح من تشيكوسلوفاكيا إلى إيران.

على مدى العقود الأربعة الماضية، لم يقتصر مشروع "حزب الله" على البنية العسكرية والسياسية، بل امتد بشكل عميق إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والثقافية داخل البيئة الشيعية اللبنانية، بحيث انتقلت هذه البيئة تدريجيًا من فضاء تعددي الأفكار والانتماءات إلى فضاء أكثر تجانسًا وانضباطًا أيديولوجيًا.

فمن خلال شبكة واسعة من المدارس، الحسينيات، الكشافة، الجمعيات الاجتماعية، والمؤسسات الإعلامية الممولة والمدعومة من إيران، تم بناء منظومة متكاملة تعمل على تشكيل الوعي منذ الطفولة وحتى النضج الفكري. هذه المنظومة لم تكن فقط أدوات خدماتية أو دينية، بل لعبت دورًا في صياغة نمط جديد من الهوية الثقافية والاجتماعية يقوم على مركزية الخطاب الديني الثوري بوصفه السبيل الأوحد للتقرّب إلى الله. ، ربط الهوية المحلية بمشروع الدولة الاسلامية الخمينية الكبرى ،تعزيز ثقافة الطاعة التنظيمية والانضباط العقائدي وإعادة تعريف مفاهيم التضحية والشهادة ضمن إطار سياسي محدد.

مع الوقت، أدى هذا التراكم إلى تحول تدريجي في المزاج العام داخل جزء واسع من المجتمع الشيعي، حيث تراجعت المساحات الفكرية المتنوعة التي كانت موجودة تاريخيًا، لصالح خطاب متشدد عنصري يتداخل فيه الديني بالسياسي والاجتماعي.

هذا التحول لا يمكن فصله عن عملية بناء “الإنسان الجديد” داخل هذه البيئة، حيث نشأت أجيال تربّت داخل مؤسسات منظمة تحمل رؤية واحدة للعالم، ما أدى إلى تقليص التعدد الداخلي في المرجعيات الفكرية والسياسية، وإعادة إنتاج هوية جماعية أكثر ارتباطًا بالمشروع العقائدي المركزي الايراني.

​تثبت أحداث الثمانينيات أن مشكلة الحزب لم تكن مع "الاحتلال"، بل مع كل من يشارك "حزب الله" الساحة الشيعية أولًا واللبنانية ثانيًا، وقد ظهر ذلك جليًا في:

- ​تصفية المنافسين: "حرب الأخوة" مع حركة أمل في الضاحية وإقليم التفاح، والتي خلفت آلاف القتلى والجرحى، لم تكن صراعًا على استراتيجية المقاومة بقدر ما كانت صراعًا على "وحدانية التمثيل".

- ​اغتيال العقل الشيعي الحر: إن استهداف قامات فكرية مثل مهدي عامل وحسين مروة ومصطفى جحا وتطويق مراجع دينية شيعية وازنة، مثل العلامة محمد حسين فضل الله، والإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، ومفتي صور الجعفري السيد علي الشريف محمد الأمين يعكس ضيق الحزب بالتعددية الفكرية داخل الطائفة، ورغبته في فرض لون واحد يتماشى مع "تعبئة المستضعفين" تحت لواء "الولي الفقيه".

- ​تكفير الدولة: تصادم الحزب مع الجيش اللبناني عام 1983 في البقاع في ثكنة الشيخ عبد الله تحت ذريعة أن "الدولة تخدم المصالح الأمريكية"، مما أسس لعلاقة عدائية أو "استعلائية" تجاه مؤسسات الدولة الشرعية مستمرة إلى اليوم.

- اعتبار المسيحيين في لبنان مجرد غزاة اغتصبوا اراضي المسلمين ويجب التخلص منهم.

- ضُرِبَ السنّةُ عبر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ثم لاحقًا جرت محاولة تطويع السنّة والدروز من خلال أحداث 7 أيار 2008.

​بالإضافة إلى ذلك،​ لم تكن عمليات "حزب الله" محصورة يوماً في "تحرير الأرض المحتلة"، بل كانت ذراعاً إقليمية لتصفية حسابات إيرانية:

- ​استهداف الدبلوماسية: من اختطاف الدبلوماسيين السعوديين واستهداف قنصليتهم في بيروت، إلى تفجير السفارة الأمريكية ومقرات القوات الدولية بالاضافة الى عمليات واسعة لخطف الاجانب نذكر منها خطف الصحفي الأمريكي تيري أندرسون وخطف مبعوث كنيسة كانتربري تيري وايت وخطف رئيس الجامعة الأميركية في بيروت ديفيد دودج

- ​العمليات الخارجية: اعتقال القيادي في "حزب الله" مصطفى بدر الدين، بتهمة التحضير لعمليات داخل الكويت، بينها اغتيال أمير الكويت،أثناء الحرب العراقية - الإيرانية، واختطاف الطائرات (الجابرية وTWA)، وتفجيرات الخبر والأرجنتين، ولاحقا التدخل العسكري المباشر لدعم نظام بشار الاسد في سوريا وتدريب الميليشيات التابعة لأيران في اليمن والعراق وصولا الى حرب اسناد غزة ونصرة إيران يؤكد أن ""حزب الله"" صُمم كقوة "ضاربة" في الاستراتيجية الإيرانية الكبرى، وليس مجرد ميليشيا محلية لتحرير الجنوب.

- تفجير مقر قوات المتعددة الجنسيات ومقر المارينز.

إذا كانت القوى السياسية اللبنانية تطالب اليوم بنزع السلاح، فإن الوقائع التاريخية تشير إلى أن السلاح هو «الأعراض» وليس «المرض». فالمشكلة تكمن في العقيدة التي تجعل قرار السلم والحرب مرتبطاً بـ«الولي الفقيه» في طهران، لا بمجلس الوزراء في بيروت، وهي عقيدة تقوم على إلغاء الآخر وتجاوز الحدود اللبنانية، بهدف تنفيذ أجندات إيرانية لا علاقة لها بمصالح المواطن اللبناني.

بناءً على ذلك، فإنّ حصر المشكلة في «السلاح» هو تبسيطٌ ساذج؛ فالأزمة تكمن في وجود كيانٍ أيديولوجي وأمني وعسكري اخترق، بعد تطبيق اتفاق الطائف، أجهزةَ الدولة كمرضٍ سرطانيٍّ مدمّر. هذا المكوّن الغريب يرى في الدولة اللبنانية «ساحةَ مواجهةٍ» و«غطاءً رسميًا» و«مصدرَ تمويلٍ»، وفي شركائه في الوطن مجرّد «غزاةٍ» أو «عقباتٍ» أو أدواتٍ يجب القضاءُ عليهم أو استعبادُهم أو استعمالُهم.