جاد الاخوي

لبنان ليس محافظة إيرانية: ردّ على منطق الوصاية المقنّعة

4 دقائق للقراءة

ليس ما كتبه إبراهيم الأمين مجرّد رأي سياسي حاد، بل محاولة صريحة لفرض معادلة إقصائية على لبنان: إمّا الخضوع لمنطق حزب الله، أو الاتهام بالخيانة والتبعية. هذا النوع من الخطاب لا يقرأ الواقع، بل يسعى إلى تكريسه بالقوة، عبر تحويل ميزان قوى قائم إلى قدر نهائي لا يمكن كسره.

جوهر المشكلة يبدأ من الفرضية التي يطرحها: “لا اتفاق في لبنان خارج الاتفاق مع إيران”. هذه العبارة، مهما حاول البعض تبريرها بواقعية سياسية، ليست سوى إعلان صريح بأن لبنان لم يعد دولة ذات سيادة، بل ساحة ملحقة بمحور إقليمي. صحيح أن لإيران نفوذاً حقيقياً عبر الحزب، لكن تحويل هذا النفوذ إلى شرط إلزامي لأي تسوية يعني عملياً شطب دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وإلغاء أي إمكانية لقرار وطني مستقل. هذا ليس توصيفاً للواقع، بل محاولة لتثبيته كأمر لا مفر منه.

الأخطر أن المقال يرفع الحزب إلى مرتبة المرجعية النهائية التي لا يمكن تجاوزها. في منطق الدول، لا توجد جهة فوق المؤسسات، ولا شرعية خارج الدستور. القوة العسكرية، مهما كانت كبيرة، لا تمنح حق الوصاية على قرار بلد بأكمله. تحويل السلاح إلى أداة حسم سياسي دائم يعني ببساطة إلغاء الدولة، واستبدالها بمنظومة موازية تتحكم بها من خارج أي رقابة أو محاسبة.

لكن ما يتجاهله هذا الخطاب عمداً هو الكلفة الباهظة لهذا النموذج. لبنان اليوم ليس في موقع “الانتصار” كما يُروَّج، بل في قلب انهيار شامل: اقتصاد منهار، مؤسسات مشلولة، وهجرة جماعية تضرب ركائز المجتمع. ربط لبنان بصراعات إقليمية مفتوحة لم يؤدِّ إلى حمايته، بل إلى عزله واستنزافه. وأي خطاب لا يربط بين هذا الواقع وبين فائض القوة خارج الدولة، هو خطاب يفتقر إلى الصدقية.

الأكثر خطورة هو التهديد المبطن في النص، والذي يكاد يكون إعلاناً واضحاً: أي سلطة لا تنسجم مع هذا الميزان “ستُقاوَم”. هنا، تسقط كل أقنعة “الواقعية” و”التحليل”، ليظهر جوهر الفكرة: فرض إرادة سياسية بالقوة. هذه ليست معادلة دولة، بل منطق ميليشيوي بامتياز، يقوم على الابتزاز: إمّا القبول، أو الفوضى. وفي بلد هشّ مثل لبنان، هذا الطرح ليس مجرد رأي، بل وصفة مفتوحة لانفجار داخلي.

في السياق نفسه، يأتي الهجوم على رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة القاضي نواف سلام. المسألة هنا لا تتعلق بتقييم أداء أو خيارات سياسية، بل بمحاولة نزع الشرعية المسبقة عن أي مشروع يعيد الاعتبار للدولة. كل من لا يندرج ضمن هذا المحور يُصنَّف تلقائياً كأداة للخارج، فيما يُمنح الاحتكار الكامل للشرعية لمن يملك القوة. هكذا يُغلق باب السياسة، ويُستبدل بمنطق الإقصاء.

أما اختزال مستقبل لبنان باتفاق أميركي–إيراني، فهو تبسيط يخدم سردية محددة: أن اللبنانيين لا يملكون قرارهم، وعليهم انتظار ما تقرره العواصم. صحيح أن التفاهمات الإقليمية تؤثر، لكن حصر كل شيء بها يلغي عوامل أساسية: دور الداخل اللبناني، توازناته، إرادته السياسية، وحتى حسابات إسرائيل نفسها. تجاهل هذه العناصر ليس تحليلاً، بل انتقائية هدفها تثبيت فكرة واحدة: لا أفق خارج هذا المحور.

المشكلة في هذا الخطاب أنه لا يكتفي بوصف ميزان القوى، بل يعمل على شرعنته كأمر دائم. هو لا يطرح حلولاً، بل يفرض استسلاماً. لا يفتح باباً لنقاش وطني، بل يغلقه مسبقاً. وفي بلد مثل لبنان، حيث التوازنات دقيقة، هذا النهج لا يؤدي إلى استقرار، بل إلى مزيد من الانقسام والتفكك.

التجربة اللبنانية واضحة: لا يمكن لأي طرف، مهما بلغت قوته، أن يحكم وحده. كل محاولة لفرض غلبة أحادية انتهت إلى أزمات أعمق، لا إلى استقرار. لبنان لا يُدار بالبندقية، ولا يُبنى على معادلة “من يملك القوة يقرر”. الحل، مهما بدا معقداً، يبدأ من إعادة الاعتبار للدولة: مؤسسات فاعلة، قرار سيادي موحّد، وسلاح محصور بيد الشرعية.

خلاصة هذا الكلام بسيطة وقاسية في آن: لبنان ليس محافظة إيرانية، ولا ساحة دائمة لتصفية الحسابات الإقليمية. وأي خطاب يحاول فرض هذا الواقع، مهما تزيّن بشعارات “المقاومة” أو “الواقعية”، لا يحمي البلد، بل يساهم في تدميره. لبنان إما دولة لجميع أبنائه، يتمتع بميزة العيش المشترك، أو لن يكون.