صدر كتاب "الآنسة ميّ: سنوات المحنة والأفول" للكاتب جهاد فاضل عن "دار سائر المشرق"، وفيه يعيد فاضل تقديم زيادة كأديبة ومفكّرة، مستعرضًا ما يعتبره كلفة الذكاء في بيئة تخشى تميُّز المرأة. الكتاب محاولة لسبر تضاريس نفسيّة معقدة صمدت أمام التهميش حتى الأفول، ويكشف في صفحاته عن محنة "العصفورية" بنتيجة خيانة أقاربها لها وطمعهم بثروتها. تنشر "نداء الوطن" فصلا من الكتاب بعنوان: "التبتّل والعفّة في حياة مي زيادة".
حار الباحثون في مَن أحبّت مَيّ، أو على الأصحّ في مَن "ألهمت" أو "أوهمت": فهل كان الحبيب جبران خليل جبران، أم عبّاس محمود العقّاد، أم مصطفى صادق الرافعي، أم لطفي السيّد، أم وليّ الدّين يكن... إلى آخر السلسلة التي تتكرّر في كلّ مرّةٍ يجري فيها حديث عن مَيّ، وقلب مَيّ على الخصوص. إلى أن صدر قبل فترة في القاهرة كتابٌ يحوي لا نصًّا حديثًا حول هذا الموضوع، بل نصًّا قديمًا يعود إلى عام 1912، أي إلى بدايات القرن العشرين يوم كانت مَيّ دون الثلاثين من عمرها: فتاة حلوة مثقّفة بالعربية وبالفرنسية، قادمة حديثًا إلى القاهرة وتكتب مقالات في مجلّة "المحروسة" التي يرأس والدها تحريرها. ولكن بالرغم من قِدَم هذا النصّ، فإنه يظهر للمرّة الأولى في كتابٍ مطبوع. فهو أقدم نصّ عن مَيّ كما هو أحدث نصّ في آن. ولعلّه النصّ الأخطر الذي يتّصل بحياتها العاطفية والجنسيّة على الخصوص. فهو يجيب عن السؤال المركزي الذي طرحه الباحثون، ويطرحونه باستمرار، حول سبب نزوعها إلى التبتّل والعفّة، وصيانة نفسها عن المباذل والشهوات مع أنها عاشت وسط رجال كان يتمنّى كلٌّ منهم أن تكون زوجته أو محبوبته. لقد كان بإمكانها، وهي التي رفضت الكثيرين منهم، أن تستجيب لرغبات هذا أو ذاك ممّن كان يغشى مجلسها الأدبي الأسبوعي الذي كانت تقيمه مساء كلّ ثلثاء في بيتها الذي كان يقع قرب المبنى القديم لجريدة "الأهرام"، وكلّهم من سراة القوم وكبار الأدباء والمفكّرين. فلماذا لم تستسلم لأيّ عرضٍ من عروض الزواج الكثيرة، التي كانت تتلقّاها منهم؟ ولماذا لم يظفر أحدٌ من روّاد ندوتها، وهم عُمد دولة الأدب والفكر في زمانها، بأيّة علاقة عاطفية كأيّ علاقة عاطفية سويّة يمكن أن تقوم في أيّ وقتٍ بين رجلٍ وامرأة؟
صاحب هذا النصّ أديبٌ مصريّ كان معروفًا ومرموقًا بين زملائه أدباء مصر في النصف الأوّل من القرن العشرين، هو محمّد لطفي جمعة. وقد ورد هذا النصّ في كتابٍ تذكاري عنه عنوانه "محمّد لطفي جمعة وهؤلاء الأعلام 1900-1950"، جمعه ابنه رابح لطفي جمعة. وما يهمّنا من هذا الكتاب، فصلٌ يتحدّث عن علاقة لطفي جمعة بالآنسة مَيّ التي بدأت في عام 1912، بعد مضيّ أقلّ من عام من عودته من أوروبا سنة 1912، وأقلّ من عامَين من نزوح مَيّ مع والدها الياس زيادة ووالدتها نزهة معمّر إلى القاهرة سنة 1911. كانت مقالات مَيّ الأدبية قد بدأت تظهر على صفحات الجرائد والمجلات، وبخاصّةٍ مجلّة "المحروسة" التي كانت مَيّ تكتب فيها بابًا ثابتًا تحت عنوان "يوميّات فتاة"، إلى جانب مقالاتها الأدبية والوجدانية. وكان قد ظهر لها ديوان "زهرات حلم" بالفرنسية أخرجته، وهي في ميعة الصبا ونضرة الشباب. وكانت سنّها حينذاك مقاربة لسنّ لطفي جمعة، فقد وُلد كلٌّ منهما في سنةٍ واحدة سنة 1886.
ويبدو أن لطفي جمعة هو الذي أبدى رغبته في التعرّف إليها، فردّت عليه بخطابٍ مؤرّخ في 6 مايو 1912 تقول فيه: "سيّدي الفاضل أشكر لك كلمتك اللطيفة وإذا شئت أن تتشرّف مساء يوم الخميس القادم في 8 الجاري، تجدني في الساعة 6 فصاعدًا مستعدّة لمقابلتك بامتنانٍ وسرور".
عقب هذا اللقاء يسجّل لطفي جمعة ما دار بينه وبين مَيّ من حديث، فيكتب في مذكّراته المخطوطة:
"لقيت ماري زيادة الشهيرة بالآنسة مَيّ في منزلها، وتحدّثنا طويلا في شتى المواضيع في الأدب والتاريخ والعقائد. وقلت لها إني قرأت لها كلّ ما كتبت نثرًا وشعرًا، وألقت من خطب منشورة في الكتب والمجلات والجرائد. وكانت والدتها طوال الحديث لا تلبث أن تنصرف من مجلسنا حتى تعود إليه مرحّبة بلهجتها الشامية، ثمّ ترطن مع ابنتها بهذه اللهجة بعبارات لم أستوعبها وفاتني أكثر ألفاظها ومعانيها. وربّما حدّثتها باللغة الفرنساوية فلا تزيد مَيّ على هزّة الرأس والإيماء باليد... ثمّ تطرّق الحديث بيننا إلى الكلام عن حال المرأة الشرقية عامّة، والمصرية بصفةٍ خاصّة، وما أحدثته دعوة قاسم أمين إلى تحرير المرأة. وكانت متحمّسة جدًّا لأفكار الرجل؛ ولكنها كانت هادئة في ملاحظاتها وآرائها وتعليقاتها. وجاء في معرض الحديث ذكر ملك حفني ناصف، ابنة الشاعر المعروف وزوجة عبد الستار بك الباسل، زعيم "قبيلة الرماح" بالفيوم. وقالت مَيّ إن ملك تنفعل دائمًا في كتاباتها عن المرأة، وخصوصًا عندما تتحدّث عن علاقتها بالرجل. وروت لي كثيرًا من أخبارها مع زوجها ومعاملته القاسية لها، وما تعانيه من آلامٍ أورثتها المزاج العصبي، ولكنها صابرة متجمّلة. وقالت لي إن أفظع ما ينغّص على ملك حياتها الزوجية، ويعكّر سعادتها وهناءتها البيتيّة، هو تهديد رجلها بالزواج عليها بسبب حرمانه من النسل، وأنها تتوقع في كلّ لحظة أن يبني على غيرها، ولكن لا تعلم متى، وهو ما يزيد غصّتها وقلقها ويقلب حياتها جحيمًا. وهي ترى أن الطلاق أهون عليها وأخفّ ألمًا من الاستمرار في هذا التنغيص المستمرّ والقلق الدائم. وقالت مَيّ يظهر أن كلّ ما كتبته ملك كان عن علاقة الرجل بالمرأة! ويجادلها لطفي جمعة قائلا لها إن المرأة لا يمكن أن تكون المثل الأعلى للرجل، لأن المثل الأعلى لا يؤدّي إليه إلا الحبّ المطلق، وهو أبعد شيء عن المرأة!".
وندع بقيّة الحوار للطفي جمعة يسرده كما ورد في كتابه: "لقد شعرتُ أني قسوت عليها وعلى بنات جنسها، ولم ننتهِ إلى شيءٍ في هذا الخصوص". ثمّ قالت لي: "لا تنسَ، يا أستاذ، تأثير البيئة والتربية التي تنشأُ فيها المرأة أو الفتاة منّا. فقد دخلتُ وأنا طفلة في حوالى الخامسة أو السادسة من عمري "مدرسة الراهبات اليوسفيّات"، ثمّ انتقلت إلى "مدرسة الراهبات العذراوات" في بيروت، وشدّتني حياة الراهبات في هاتَين المدرستَين وفي الأديرة التي زرتها في فلسطين وعينطورة في لبنان. لذلك تجدني وأنا وحيدة أبويّ وقد أوشكتُ على بلوغ الثلاثين عازفة عن الزواج معرضة عمّن تقدّم إلى خطبتي، وقد تقدّم كثيرون...".
هنا تدخّلت والدتها الفاضلة بلهجتها الشامية اللطيفة:
- دخيلك يا أستاذ! اِسأل ماري كم من الشباب تقدّموا إلى عمّك الياس لخطبتها، ولكنها ترفض في كلّ مرّة. يا اللّه! مبارك اسمك أيّتها العذراء (وقالت ذلك بالفرنساوية). الحق أقول لك يا أستاذ إنني قلقانة عليها. ليش يا ماري ما بتريدي الزواج، وتهنّي بال أمّك يا حبيبتي؟
أشاحت الآنسة مَيّ بوجهها، وأومأت بيدها إلى والدتها علامة السكوت أو الكفّ عن الخوض في هذا الحديث أو الاسترسال فيه.
ثمّ استطردت مَيّ في حديثها:
- قلت لك إنني منذ صغري أميل إلى البتوليّة... لقد أخذتُ على نفسي عهدًا ألا أتزوّج. لا تسئ الظن بي يا أستاذ. صحيح أنني كما تراني لستُ جميلة... إنني أقرب إلى السمراوات...
فقاطعها مداعبًا:
- ليس جمال الوجه هو كلّ ما يُفتش عنه الرجل في المرأة يا آنسة... إن جمال الروح والنفس والذكاء أهمّ بكثير. ثمّ من قال لكِ إنّك لستِ جميلة؟
فعلت وجهها حمرة الخجل وابتسمت، وأغضت في حياء ثمّ قالت: مرسي يا أستاذ.
واستطردت تقول:
- إنني أميل إلى حياة العقل والروح. سَمِّ هذا ما شئت. فطرةٌ رُكِّبتْ فيّ، أو طبع غريزيّ إلى التطلّع إلى المثل الأعلى في الحياة. قد يكون لنشأتي الأولى وتربيتي أثر في ذلك. إنك في حديثك تنكر على المرأة استطاعتها أن تكون المثل الأعلى للرجل. لا بأس! ولكنك لا تستطيع أن تنكر وجود المرأة التي تتألّم في صمت، وتبتسم في عذوبة وقلبها ينزف دمًا. لا تستطيع أن تنكر أيضًا وجود المرأة التي تحسّ وتشعر وتنفعل، ولكنها تفضّل ظمأ الفكر والروح ووحدة القلب على التمرّغ في حمأة المادّة.
ثمّ يقول لطفي جمعة عقب ذلك مباشرةً في مذكّراته: "وتغلغلت مع الآنسة مَيّ في نفسيّتها فلم تُخْفِ عنّي أدق أسرارها ولا حرج عليها في ذلك لأنّها امرأةٌ لم تعرف الرجال معرفةً جنسية. وليس للمرأة سرّ غير هذا تحرص عليه. والخلاصة أنها تنظر إلى الفعل الجنسي وتعتبره قذارةً مادّية. وهي شديدة الحساسية للجمال، وشديدة الذكاء، ومنطقية، وسريعة الجواب، وكثيرة الكلام، وقوية الذاكرة، وفخورة بما تصنع من خير، وفخورة بقراءاتها ومطالعاتها... مسكينة لها عقل وليس لديها عاطفة، سيّئة الظنّ بالناس وتتخذ من سوء ظنّها نظرية للدفاع عن أفكارها، وليس لها مبدأ سياسي معيّن. تكنّ لوالديها حبًّا واحترامًا عميقَين يصل إلى حدّ القداسة والعبادة!".
