العميد المتقاعد جوني خلف

لبنان والعسكر في الحكم… هل يتكرر الفشل كلما راهنّا على "الرجل القوي"

5 دقائق للقراءة

لم يعد طرح قائد الجيش "كخيار إنقاذي" تفصيلا عابرًا في الحياة السياسية اللبنانية، بل تحوّل إلى نمط يتكرّر كلما انهارت الدولة أو عجزت الطبقة السياسية عن إنتاج حل. في كل مرة، يُعاد تسويق الفكرة نفسها رجل من خارج المنظومة، منضبط، حازم، قادر على فرض النظام. لكن ما لا يُقال بوضوح هو أن هذا الخيار، رغم جاذبيته الظاهرية، لم ينجح في لبنان إلا جزئيًا وموقتًا، وغالبًا ما انتهى إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها بأشكال مختلفة.

تجربة الشهابية مع فؤاد شهاب تُستخدم دائمًا كحجّة مضادّة. صحيح أن شهاب أطلق ورشة إصلاح إداري وبنى مؤسسات لا تزال آثارها قائمة، لكن هذه التجربة، عند تفكيكها، لم تُحدث انقلابًا بنيويًا في النظام. لقد حسّنت أداء الدولة، لكنها لم تغيّر قواعد اللعبة. وما إن انتهى العهد، حتى استعادت المنظومة السياسية توازنها، وأسقطت جزءًا كبيرًا من المشروع الإصلاحي. ما تلا ذلك لم يكن أفضل. رؤساء أتوا من خلفية عسكرية أو ارتبطوا بها دخلوا الحكم بشعارات "إعادة هيبة الدولة"، لكنهم سرعان ما اصطدموا بحقيقة أكثر قسوة في لبنان، لا تُفرض الهيبة بل تُفاوض. وهنا يبدأ الانحدار. من مشروع تغيير إلى تسويات، ومن وعود إصلاح إلى إدارة يومية للأزمة. المشكلة ليست في الأشخاص، بل في الوهم الذي يرافق هذا الخيار. القائد العسكري يُدرَّب على بيئة مغلقة، أوامر واضحة، تسلسل هرمي صارم، ومحاسبة فورية. أما في السياسة اللبنانية، فكل عنصر من هذه العناصر مفقود أو مقلوب. القرار لا يُتخذ إلا بالتوافق، التنفيذ خاضع للتوازنات، والمحاسبة شبه غائبة. هذا التناقض لا يُنتج صدمة فقط، بل يُنتج عجزًا بنيويًا لدى من يحاول نقل أدوات العسكر إلى الحكم المدني.

الأخطر أن حياد قائد الجيش طوال خدمته، رغم ضرورته، يتحوّل عند انتقاله إلى الحكم إلى نقطة ضعف. فهو يدخل إلى الحياة السياسية بلا خبرة تراكمية، بلا شبكة تحالفات، وبلا فهم عميق لآليات الصراع والتسوية. فيبدأ الحكم من موقع المتلقي لا الفاعل، ومن موقع التكيّف لا المبادرة.

هذه ليست خصوصية لبنانية فقط، لكنها في لبنان أكثر حدّة. التجارب العالمية تقدّم صورة أوضح. في فرنسا، نجح شارل ديغول، لكن نجاحه لم يكن لأنه عسكري، بل لأنه امتلك مشروعًا تأسيسيًا أعاد صياغة النظام السياسي نفسه. في الولايات المتحدة، نجح دوايت أيزنهاور لأنه دخل السياسة من أبوابها الحزبية والمؤسساتية، لا من خلفيته العسكرية فقط. في المقابل، تُظهر تجارب أخرى، كجمال عبد الناصر في مصر، أن الحكم العسكري قد يفرض الاستقرار، لكنه غالبًا ما يفعل ذلك على حساب التعددية والحياة السياسية.

الخلاصة الدولية واضحة: العسكري ينجح حين يتخلّى عن كونه عسكريًا في الحكم، لا حين يحاول استنساخ تجربته داخله.

في لبنان، المشكلة أعمق. لأن النظام نفسه قائم على تعطيل أي محاولة حكم حاسم. التوازنات الطائفية، تشابك المصالح، والارتباطات الإقليمية، كلها تجعل من أي رئيس أسير شبكة معقدة تتجاوز قدرته الفردية. لكن الرئيس الآتي من المؤسسة العسكرية يكون أكثر عرضة لهذا الفخ، لأنه يصل من خارج اللعبة، فيُجبر على تعلّمها وهو في موقع القرار. بعد أكثر من سنة على انتخاب جوزاف عون، لم يعد ممكنًا التعامل مع المسألة كنقاش نظري. الوقائع تتكلم. نعم، هناك نجاح نسبي في الحفاظ على الاستقرار الأمني، وهذا ليس تفصيلا في بلد على حافة الانفجار. لكن في المقابل، لا يزال جوهر الأزمة على حاله، انهيار مالي بلا معالجة جذرية، إصلاحات متعثرة، مفاوضات مع صندوق النقد الدولي بلا نتائج حاسمة ودولة عاجزة عن استعادة ثقة مواطنيها. هذا التناقض ليس عرضيًا، بل يعكس حدود المقاربة نفسها. فالقدرة على ضبط الأمن لا تعني القدرة على إعادة بناء الاقتصاد، وإدارة الأزمة لا تعني حلّها، الرهان على "الرئيس العسكري" كحل بحد ذاته هو رهان مضلّل. لأنه يتجاهل أن الأزمة في لبنان ليست أزمة إدارة فقط، بل أزمة نظام كامل. وأي محاولة لمعالجتها بأدوات جزئية، مهما بدت فعّالة، ستنتهي إلى النتيجة نفسها تأجيل الانفجار لا منعه. السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس عن شخص الرئيس، بل عن قدرته على كسر هذا النمط. هل يمكن تحويل العهد من إدارة الأزمة إلى مشروع تغيير فعلي؟ هل يمكن بناء مؤسسات بدل إدارة توازنات؟ وهل يمكن اتخاذ قرارات تتجاوز حسابات اللحظة إلى منطق الدولة؟

حتى الآن، المؤشرات لا تزال حذرة، إن لم تكن مقلقة. بين فؤاد شهاب وجوزاف عون، لم يتغيّر السؤال، لكن كلفة الخطأ أصبحت أعلى بكثير. لبنان لم يعد يحتمل تجارب رمادية أو رهانات غير محسوبة. في لبنان، لم تعد المشكلة في من يصل إلى الحكم، بل في الوهم الذي يرافق كل استحقاق. في كل مرة، يُسوَّق القائد العسكري كحلّ، كأنه استثناء قادر على كسر القاعدة، فيما الوقائع تثبت العكس تمامًا. التجربة لا تحتاج إلى مزيد من الأدلة. ما تكرّر لعقود لن ينقلب فجأة بمعجزة. لأن الأزمة ليست أزمة رجال، بل أزمة نظام يبتلع أي محاولة إصلاح، ويحوّل أقوى الشخصيات إلى جزء من عجزه. الرهان على "المنقذ" هو بحد ذاته المشكلة. لأنه يختصر الدولة بشخص، ويستبدل المؤسسات بالأفراد، ويؤجّل المواجهة الحقيقية مع جذور الانهيار. اليوم، لم يعد أمام لبنان ترف إعادة التجربة نفسها بوجوه مختلفة. إما كسر الحلقة، أو البقاء داخلها حتى الانهيار الكامل. والحقيقة التي لم يعد ممكن الهروب منها الدولة لا تُنقذ ببدلة عسكرية… بل تُبنى بإرادة سياسية تجرؤ على المواجهة.