مايا الخوري

مظهر هادئ وحياة داخلية مضطربة

القلق الصامت... عاصفة أفكار خفيّة من دون صوت

6 دقائق للقراءة

في ظلّ تسارع الأحداث في لبنان لا بدّ من أن يشعر كلّ منا بقلق تجاه حاضر مسلوب ومستقبل مجهول، ولكن قد لا يكون هذا القلق صارخًا، بل متخفيًا أحيانًا خلف ابتسامة وصمت طويل واضطرابات داخلية صاخبة. فنبدو ظاهرًا متماسكين فيما تجتاحنا عاصفة أفكار ومشاعر تستنزف يومياتنا وصحتنا النفسية والجسدية. 

القلق الصامت، قلق داخلي مكبوت، عالي الأداء مستديم من دون أعراض جسدية واضحة، ما يجعل المصابين به واثقين بأنفسهم، ناجحين وهادئين ظاهرًا، إنما يعانون داخليًا من قلق مفرط واضطراب عاطفي. تشمل سماته أفكارًا متكررة، تدنيًا في احترام الذات والشكّ فيها، وشعورًا عميقًا بالخوف، ما يجعله متمايزًا عن القلق الطبيعي الذي هو مجرّد رد فعلٍ لحدث معيّن عابر.

ويشرح نقولا بشارة رزق، معالج نفساني للمراهقين والراشدين في هذا الإطار، "أن من يعاني قلقًا صامتًا يطوّر غالبًا سلوكيات تكيفيّة قوية كالمثالية المفرطة لإخفاء معاناته، ما يخلق تناقضًا ما بين مظهره "الهادئ" وحياته الداخلية "المضطربة"، وهنا مكمن الخطورة.

إذ يعاني بعضًا من الهشاشة على مستوى البنية النفسيّة، ما يؤدي إلى تأثره المفرط في نظرة الآخرين إليه، كما يتوجّس من الحُكم الذي يمكن أن يطال تصرفاته، لذلك نرى لديه رغبة عارمة في الظهور قويًا وإن شكليًّا كأحد الدفاعات النفسيّة أمام المشاعر القويّة أو الأحداث ذات التأثير العميق كالصدمات".

من جهة أخرى، يشير إلى افتقاد بعضهم القدرة على التعبير عن مشاعره ومن ضمنها مشاعر القلق لأسباب بنيوية نفسيّة مختلفة قد تعود إلى مراحل الطفولة الأولى حيث لم تتوافر على الأغلب عناصر نفسيّة أساسيّة كالتعلّق الآمن، على سبيل المثال لا الحصر. إضافة إلى بعض الموروثات الاجتماعية المغلوطة في البيئة المحليّة التي لم تشجّع الفتيان على التعبير عن مشاعرهم والبكاء مثلا، ما يساهم في كبت المشاعر وعدم السماح بإظهارها فتتفاعل داخليًا وتؤجج القلق الصامت".

وعن دور الحروب واللااستقرار في تعزيز هذا النوع من القلق، يقول: "تساهم التجارب الحياتية الصادمة بشكل واضح في تدعيم القلق الصامت خصوصًا لمن يعاني أساسًا من هذا الاضطراب؛ من بينها الحروب التي تعزز الشعور بعدم وضوح المستقبل واهتزاز مقومات الشعور بالأمان لدى الأفراد والجماعات، إضافة إلى الضغوط البيئية والاجتماعية وعدم الاستقرار الاقتصادي الذي يشكّل أيضًا عبئًا ضاغطًا على كاهل من يعاني من القلق الصامت، فينكبّ بشكلٍ مَرضي على العمل، كسلوك دفاعي لمواجهته، متجاهلًا محدوديّة طاقته البشريّة، ما قد يؤدي به في بعض الحالات القصوى إلى ما يعرف بالاحتراق الوظيفي. مع الإشارة إلى أن استمرار الكبت من دون تعبير مباشر أو غير مباشر يحوّل القلق الصامت إلى حالة مزمنة متراكمة ومثبّتة، فتقترن مع اضطرابات إضافية كالاكتئاب".

وهل تبرز أعراض نفسية واضحة في هذا الإطار؟ يجيب رزق: "على الرغم من عدم توافر معايير تشخيصية دقيقة للقلق الصامت، إلّا أن إدراك علاماته الخفيّة هو الخطوة الأولى نحو طلب المساعدة. من أعراضه السلوكية: تجنب المواقف التي تثير القلق، مثل المناسبات الاجتماعية. سرعة الانفعال كدليل واضح على الشعور المستمر بعدم الراحة الداخلية والإحباط، أو نفاد الصبر تجاه أمور بسيطة. أمّا السعي المفرط للكمال، فهو وسيلة دفاعيّة سلوكيّة لا واعية لإخفاء القلق والخوف من الفشل. من جهة أخرى قد تترافق الأعراض السلوكيّة بأخرى جسديّة كالأرق واضطراب النوم، والإرهاق المستمر خلال النهار.

أمّا الأعراض النفسية فتتمثل بالقلق المستمر المفرط بشأن جوانب مختلفة من الحياة، حتى في حال عدم وجود سبب وجيه له. تدني تقدير الذات، نتيجة معتقدات سلبية عن أنفسهم، فيجدون صعوبة في إدراك قيمتهم الذاتية. ضعف التركيز، حيث تحول الأفكار المتطفلة والانشغال الداخلي دون التركيز على المهام أو المحادثات".

وعن تأثير القلق الصامت في بناء العلاقات يشير إلى أنه يؤثر في جوانب حياتية مختلفة، حيث أن معاناة الأفراد بمفردهم من أعراضه الخفية قد يجعلهم يبتعدون عن التفاعلات الاجتماعية، فينعزلون، وتتوتر بالتالي علاقتهم بمحيطهم، إذ قد يُفسر انعزالهم برودة وعدم اكتراث بالآخرين. إضافة إلى أن تجلّي القلق الصامت في التفكير المُفرط والشك في الذات بعد اللقاءات الاجتماعية، يُصعّب تكوين علاقات ذات معنى والمحافظة عليها.

أمّا على المستوى المهنيّ، فإن أعراض التعب وضعف التركيز والتردد قد تخفض مستوى الإنتاجية، حيث تبدو المهام التي كانت سهلة في السابق، مُرهقة للغاية؛ ومع تكرار نمطيّة السلوك هذا، قد تتأثر سلبًا علاقاتهم مع المسؤولين والزملاء في العمل.

وعن خطوات التعامل الصحي مع القلق يوضح بأن هؤلاء يحتاجون إلى الشعور بالدعم. لذلك ننصح بالاستماع إليهم باهتمام وتفهم. وقد يكفي أحيانًا، التواجد إلى جانبهم وإظهار التعاطف، ما يمنحهم راحة كبيرة. وقد تشمل خطوات التعامل الصحي مع القلق، مساعدة الشخص على تطبيق استراتيجيات التأقلم الفعّالة وممارسة اليقظة الذهنية والتأمل، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والمحافظة على عادات نوم صحية، وكتابة اليوميات. إضافة إلى تشجيعهم على طلب المساعدة النفسيّة عند الضرورة خصوصًا إذا كانوا يشعرون بالتوتر حيال اتخاذ الخطوة الأولى، وإذا كان القلق يؤثر سلبًا على حياتهم اليومية أو عملهم أو علاقاتهم أو صحتهم العامة، حيث أن التدخل المبكر يمنع تفاقم الأعراض ويوفر الأدوات اللازمة للتعافي الدائم وتحسين الصحة النفسية.

وعن أعراض القلق الصامت عند الأطفال يفسّر بأنها تتمظهر عبر نوبات الخوف، وظواهر التعلق الزائد بأحد الوالدين أو بمرجعيات الأمان النفسي بالنسبة إليهم، ومن خلال اضطرابات النوم أو السلوك. ويؤدي هذا القلق إلى آثار سلبية عميقة ومستمرة، قد تشمل ضعف التحصيل الدراسي، الانسحاب الاجتماعي، واضطرابات جسدية مثل آلام المعدة والصداع، كنتيجة لخوف الطفل من التعبير عن مشاعره. أمّا إذا لم يُعالج، فقد يمتد إلى مرحلة المراهقة، مسببًا ضعفًا في الشخصية، اعتمادية مفرطة على الأهل وتدنيًا على مستوى الثقة بالنفس.

ويمكن مساعدتهم للتعبير عن أنفسهم عبر نشاطات كثيرة مثل قراءة قصص مصورة تعبّر عن المشاعر، أو رسم وجوه أو مشاهد تعبّر عن أحاسيس مختلفة ومناقشتها معهم. إضافة إلى تقديم بيئة مريحة وآمنة لهم وتشجيعهم على التعبير بحرية وأن تصبح هذه الأنشطة جزءًا من الأوقات التشاركية المتكررة في الأسرة والمدرسة حيث يتمّ تعزيز مهارات التعبير والاستماع والحوار والمشاركة من ضمن إطار الجماعة.

ختامًا، لا بدّ من بناء علاقات آمنة وداعمة، وتحفيز التفكير الإيجابي، كما والاهتمام بالصحة النفسية والجسدية وطلب المساعدة عند الضرورة من أجل تعزيز الصمود النفسي وتخفيف أعراض القلق ومن ضمنها القلق الصامت خصوصًا في هذه الظروف الصعبة التي نمرّ فيها في لبنان.