يسعى الرئيس الأميركي جاهدًا لعقد لقاء يجمع الرئيس اللبناني مع رئيس وزراء العدو الإسرائيلي في واشنطن، ولمصافحتهما إيذانًا بِبدء تفاوضٍ بين البلدين، يوصل مستقبلا إلى اتفاقية سلام بين الطرفين.
لا شكّ أن قرار التفاوض مِن عَدَمه يبقى لرئيس الدولة، فالمادة 52 من الدستور منحت رئيس الجمهورية صلاحية التفاوض. لكن هذا التفاوض يجب أن يأتي من ضمن الدستور واحترام نصوصه. بمعنى آخر يجب أن يأتي هذا التفاوض لمصلحة لبنان واللبنانيين.
هناك مَن يُعارض مبدأ التفاوض مع إسرائيل كَونها دولة عدوّة... كذا... علمًا أن التفاوض يجب أن يجرى بين بلدان متخاصمة وليست صديقة. فالمادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة نصّت على ذلك. والتاريخ يؤكّد ذلك من معاهدة فرساي إلى كمب دايفيد، إلى معاهدة السلام الإسرائيلية المصرية، الإسرائيلية - الأردنية، إلى اتفاق دايتون...
ومنهم مَن يقول إن قَسَم الرئيس يفرض عليه ألّا يُخالف أحكام الدستور والقوانين المرعية الإجراء... والتفاوض ممنوع بموجب قانون مُقاطعة إسرائيل تاريخ 23/6/1955... كذا... علمًا، أن قَسَم الرئيس لا يتضمّن فقط احترام القوانين، إنما أيضًا الحفاظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه، والمادة 49 من الدستور أَولَت إليه مهمّة المحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقًا لأحكام الدستور. والمقصود بذلك ما نصّت عليه المادة الثانية من الدستور أي عدم التخلّي أو التنازل عن أي جزء من الأراضي اللبنانية.
واليوم الجنوب اللبناني مُحتل، وأولوية الأولويّات تحرير تراب الوطن من عدوّ غاصب، وهذا دور رئيس الدولة. وإن رأى هذا البعض المعارض للتفاوض أن رئيس الدولة بذلك يخالف القانون أو الدستور أو يرتكب الخيانة العُظمى. فليلجأ إلى المسار الدستوري للمُساءلة أي المجلس النيابي وفقًا لأحكام المادة 60 من الدستور، معطوفة على أحكام القانون 13/1990.
أمّا لجهة دعوة الرئيس عون إلى واشنطن لمُصافحة نتنياهو فهذا أمرٌ آخر.
فالثابت أن العدو الإسرائيلي اجتاح المحرّمات والمُقدّسات، ومُصافحة نتنياهو اليوم مرفوضة بشكلٍ مُطلق. فهذه المُصافحة يمكن أن تحصل تتويجًا لمسارٍ وتكريسًا لاتفاق. ومن هُنا نبدأ.
بالعودة إلى التاريخ المُعاصر يتبيّن لنا أن هناك ثلاثة نماذج لمُصافحاتٍ جرت بين زعماء دول أعداء. النموذج الأوّل والمعروف باسم نموذج "السادات" حين صافح الرئيس السادات مناحيم بيغن في كمب دايفد بتاريخ 17/9/1978 دون أن يكونا قد توصّلا إلى أي اتفاق. والنموذج الثاني معروف باسم نموذج "عرفات" الذي لم يُصافح إسحق رابين إلا عند توقيع اتفاقية أوسلو بتاريخ 13/9/1993 وليس قبل ذلك. والنموذج الثالث هو نموذج "الملك حسين" الذي رفض المُصافحة عند بدء التفاوض. وأصرّ على التفاوض السرّي وبعدها العلني. حيث استمر هذا التفاوض لما يُقارب العامين. وحين تمّ التوصل إلى اتفاق سياسي "اتفاق إطار" بين الفريقين، كان اللقاء في واشنطن برعاية الرئيس الأميركي "كلينتون" بتاريخ 25 تمّوز 1994 وتصافح الملك حسين مع إسحاق رابين تتويجًا لهذا الاتفاق الإطار. وأنتج بعدها "اتفاق وادي عربة" الذي وقعه الملك حسين مع إسحاق رابين بتاريخ 26/10/1994.
وانطلاقًا ممّا تقدّم.
من الثابت أن أي تسرُّع في اللقاء مع نتنياهو ومُصافحته علنًا، لن يكون تصرُّفًا حكيماً على الإطلاق.
كذلك ربّما الانتظار إلى ما بعد الاتفاق، ممكن أن لا يخدم لبنان.
فالأنسب التريُّث بالمُصافحة على غِرار الملك حسين، والمُباشرة بتفاوضٍ مباشر مع إسرائيل. وبحال التوصل أقلّه إلى "اتفاق إطار" أي إلى وضع الأُسُس السياسية لاستكمال التفاوض، تكون المُصافحة.
وبذلك نكون قد جنبنا لبنان الكأس المُرّة... فالتصادُم الداخلي ممنوع، كذلك كسر الجرّة مع الرئيس ترامب غير مسموح.
فالحكمة هي المطلوبة، والقرار إلى سيّد القرار.