مهّد الاتحاد الأوروبي وأرمينيا الطريق لتوثيق العلاقات خلال قمة عُقدت في يريفان أمس، في خطوة إضافية ضمن التحوّل الحذر للجمهورية السوفياتية السابقة نحو أوروبا والغرب بعيدًا من روسيا، خصوصًا بعد امتناع القوات الروسية عن التدخل حينما اقتحمت القوات الأذرية جيب أرتساخ وهجّرت سكانه الأرمن عام 2023. بالفعل، أجرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، محادثات مع رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان في يريفان، أسفرت عن توقيع "شراكة للترابط" لتعزيز روابط النقل والطاقة والروابط الرقمية بين الاتحاد الأوروبي وأرمينيا.
ورأت فون دير لاين خلال الاجتماع، وهو الأوّل من نوعه، أنه "بهذه القمة، نخطو قفزة إلى الأمام نحو مستوى جديد من التعاون"، معتبرة أن أرمينيا "تقع على أقصر طريق بين آسيا الوسطى وبحر قزوين وأوروبا، وفي الماضي، وبسبب الحرب والجغرافيا السياسية، كان هذا الطريق مغلقًا، لكنكم الآن تغيّرون ذلك". وأوضحت أن "أرمينيا يمكن أن تصبح مركزًا إقليميًا لطرق تجارة عالمية جديدة، خصوصًا في المجال الحاسم للمواد الخام الحيوية، وأوروبا مستعدّة لدعمكم". وتحدّثت عن إحراز تقدّم في تحرير التأشيرات للأرمن، مؤكدة أنه "أعلم أن هذا الأمر يهمّ الأرمن بعمق". وأعربت عن ثقتها بتحقيق ذلك.
وحض الاتحاد الأوروبي، الشركات الأوروبية، على الاستثمار في أرمينيا، مشيرًا إلى الفرص الجديدة التي أتاحتها عملية السلام التي رعتها أميركا مع أذربيجان، فيما قال باشينيان: "لم نسمع من قبل دعوة كهذه، رسالة كهذه"، مشيرًا إلى أن أرمينيا كانت تُعدّ سابقًا "وجهة عالية المخاطر للاستثمار". وأكد أنه "إذا قُبلنا في الاتحاد الأوروبي، فسنكون سعداء وراضين"، مشدّدًا على أن يريفان تعمل على تلبية معايير العضوية الصارمة في التكتل.
تزامنًا، أجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي تضمّ بلاده أكبر جالية أرمينية في أوروبا، زيارة دولة إلى يريفان، حيث حظي باستقبال حار، ووقع مع باشينيان شراكة استراتيجية واتفاقات تعاون عدة، خصوصًا في البحث والابتكار في مجالات الدفاع والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وأشباه الموصلات، كما جرى توقيع عقد لتوفير ست مروحيات من طراز "أيتش 145" للجيش الأرميني وتجهيزات للقوات الخاصة الأرمينية التي درّبتها باريس. ووقعت مجموعتا "فينسي" و"رازيل بيك" الفرنسيتان إعلان نوايا للمشاركة في إنجاز نفق "بارغوشات" الاستراتيجي على المحور الشمالي الجنوبي في أرمينيا.
وعبّر ماكرون عن قناعته الراسخة بأن "قدر أرمينيا هو قدر أوروبي"، معتبرًا أن "أوروبا هي الشريك الأكثر طبيعية لأرمينيا وجنوب القوقاز في هذه المرحلة من الزمن"، في حين رأى باشينيان أنه "تُكتب صفحة جديدة بين أرمينيا وفرنسا"، مشيرًا إلى أن "توقيع شراكتنا الاستراتيجية، إلى جانب العديد من الاتفاقات الأساسية، يجسّد طموحنا المشترك، المتجذر في صداقتنا التاريخية والمتوجّه نحو المستقبل".
تجدر الإشارة إلى أن أرمينيا كانت قد وقعت اتفاق شراكة شاملا مع الاتحاد الأوروبي عام 2017، ما عمّق تعاونها في التجارة ومجالات أخرى. وأقرّت العام الماضي قانونًا يعلن رسميًا نيتها التقدّم بطلب للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بينما تسعى إلى ضمان وصول أفضل لمواطنيها إلى التأشيرات الخاصة بالتكتل. وأنشأ الاتحاد الأوروبي في نيسان الماضي بعثة لمساعدة يريفان على التصدّي للتدخل الأجنبي، في وقت يشتبه في أن موسكو تشن حملة تضليل قبل الانتخابات المقرّرة في حزيران.
واتبعت أرمينيا خلال عهد باشينيان رسميًا استراتيجية يسمّيها "التنويع"، وتسعى بموجبها الدولة الحبيسة إلى إقامة علاقات مع كل من روسيا والغرب، لكن محلّلين يرون أن ذلك يعني فعليًا ميلا نحو أوروبا، نظرًا إلى أن البلاد عضو حاليًا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي تقوده روسيا، وفي منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها موسكو، رغم أنها جمّدت عضويتها في الأخيرة عام 2024.