الدكتور سايد حرقص

حين يصبح إنكار الحقيقة… أسلوبَ حياة

3 دقائق للقراءة

في لبنان، لم يعد التنافر المعرفي مجرد حالة نفسية عابرة، بل تحوّل إلى بنية ذهنية راسخة تُستخدم لحماية وقائع لم يعد ممكنًا الدفاع عنها بالعقل والمنطق. نحن أمام مشهدٍ تتراكم فيه الأدلة على الأسباب الحقيقية للانهيار، فيما يتزايد الإصرار على إنكار الواقع بالاستعانة بالأعذار والأوهام والتخيلات.

أبرز تجليات هذا التنافر يظهر في مسألة سلاح حزب الله. فبعد سنواتٍ من التجربة، بات واضحًا أن وجود هذا السلاح، الإيرانيّ الولاء، خارجَ سلطة الدولة ليس تفصيلًا تقنيًا، بل عاملٌ بنيوي في تقويض مفهوم الدولة نفسها، وتعطيل مؤسساتها، وتحويل البلد إلى ساحة صراع، وربط قراره السيادي بإرادة خارجية. ومع ذلك، لا يزال قسمٌ من اللبنانيين، ولا سيما البيئة الحاضنة لهذا السلاح، يرفض أي نقاش جدي حوله، لا عبر تقديم حجج واقعية، بل من خلال إعادة تدوير روايات مستهلكة: «حماية»، «مقاومة»، «توازن ردع».

عندما تتعارض هذه الروايات مع الوقائع الميدانية، لا تُراجَع القناعات، بل يُعاد تفسير الواقع. فيُصبح الانهيار «حصارًا»، وتُختزل السيادة في «أولوية الصراع»، ويُبرَّر الدمار والتهجير والموت على أنه ثمنٌ لا بد منه. هنا يتجلّى التنافر المعرفي في أوضح صوره: الواقع يُعاد تشكيله ليخدم الفكرة، لا العكس.


لكن هذه الظاهرة لا تقتصر على بيئة حزب الله. فجزءٌ من اليسار اللبناني، الذي يُفترض أن ينطلق من منهجٍ نقدي، وقع بدوره في فخٍ مشابه. تحت شعارات «مواجهة الإمبريالية» و«مقاومة إسرائيل»، جرى الانخراط في خدمة منظومةٍ دينيةٍ ثيوقراطيةٍ متشددة، ترى في العلماني خصمًا أو كافرًا يجب محاسبته. وهكذا تحوّل بعض هؤلاء إلى أدواتٍ مستهلكة في خدمة مشروعٍ دينيٍ يوظّفهم عند الحاجة. في هذا السياق، يغدو الخطاب النقدي غطاءً أيديولوجيًا يبرّر واقعًا يصعب الدفاع عنه بمعايير موضوعية.


أما التيار العوني، فقد قدّم نموذجًا آخر للتنافر المعرفي السياسي. بين خطاب «الإصلاح والتغيير» والممارسة الفعلية في السلطة فجوةٌ واسعة يصعب تجاهلها. ومع ذلك، استمر جزء من جمهوره في تبرير الإخفاقات والفساد والهدر، تارةً عبر تحميل المسؤولية للآخرين، وطورًا عبر التمسك بسردية الاستهداف. مرةً أخرى، لا تتغير القناعة، بل يُعاد تأويل الفشل بما يحفظها.


المشترك بين هذه الحالات ليس الانتماء السياسي، بل الآلية الذهنية نفسها: حين تتحوّل القناعة إلى جزء من الهوية، يصبح الدفاع عنها أولوية تتقدّم على الحقيقة. عندها، لا يعود النقاش حول الوقائع، بل حول كيفية حمايتها من الاعتراف.


تكمن الخطورة في أن هذا النمط يمدّد عمر الأزمات. فطالما أن جزءًا من المجتمع يرفض الاعتراف بالأسباب الفعلية للانهيار، ستبقى كل محاولة للحل ناقصة أو مشوّهة. فلا يمكن بناء دولة فيما يُصرّ البعض على تبرير ما يقوّضها، ولا يمكن إصلاح نظام بينما يُعاد تفسير فشله على أنه نجاح مؤجّل أو مؤامرة مستمرة.