أدلى رئيس "الحزب التّقدمي الإشتراكي" وليد جنبلاط، بحديث إلى صحيفة الأنباء الرقميّة، ونقلته وسائل الإعلام بتاريخ 28 كانون الأول 2020، تناول فيه تحقيقات المرفأ فقال: "لا أحد يريد تحقيقاً. نحن الوحيدين الذين نريد التّحقيق، وكذلك المواطن العادي".
توّقّفت مليّاً عند هذا التّصريح. نعم، لا أحد من أهل السّلطة يريد التّحقيق ونقطة على السّطر. وتابع جنبلاط يقول، كما يقول كلّ أركان السّلطة أنفسهم ردّاً على مطلبنا إحالة التّحقيق إلى المحكمة الجنائيّة الدوليّة، "يجب أوّلاً إحترام القضاء".
في الواقع، إن هناك قوى سياسية لا تريد التحقيق لماذا؟ السبب وبكلّ صراحة، هو أنّ حلفاء هذه القوى في الخارج لا يريدون هذا التحقيق. لم يصل الضّوء الأخضر بعد. ففرنسا الصّديقة جدّاً للبنان، لا تريد أن يحوّل التّحقيق في جريمة المرفأ إلى إحدى الجرائم المتّصلة بالصراع المسلّح القائم في المنطقة والذي تساهم فيه ميليشيات لبنانيّة. الكلّ يصوّر أنّ الغرض من التّحقيق المنشود هو إدانة "حزب الله". ربما أنّ مطلب التحقيق الدولي الذي برز عند وقوع الإنفجار، كان يمكن فعلاً أن يؤدّي إلى تسييس التّحقيق رغم تأكيدنا مراراً أنّنا ضدّ التّحقيق الدولي الذي يمكن أن يقوم به مجلس الأمن، أو دول. فنحن رفضنا أيّ تسييس للتّحقيق، وقلنا إن علينا أن نرفع القرائن والمعلومات وكل ما يبرز من معطيات علميّة إلى المحكمة الدوليّة من دون أيّ اتهام، مشدّدين فقط على مبدأ رفض التّورية والتهرّب من المسؤوليّة، كائناً من كان المسؤول. وأكّدنا أنّ التّحقيق الوحيد الذي يمكن أن نركن له، ونقتنع أنه سيكون شفّافاً وله مصداقيّة، هو التّحقيق الّذي يمكن أن تقوم به المحكمة الجنائيّة الدوليّة. فلماذا يطلب التحقيق الدولي من جهات سياسيّة ويتمّ رفض التحقيق من الجهة القضائيّة الدوليّة المخوّلة من المجتمع الدولي، لأن تفعل ذلك؟
إعتقدنا بداية أنّ جهل طبيعة عمل المحكمة يمكن أن يكون السّبب المبرّر لمثل هذا الموقف الأوّلي من موضوع المحكمة الجنائيّة. فقد وجدنا خلطاً في العقول كافة، ما بين المحكمة الخاصّة بلبنان التي أقامها مجلس الأمن بناء لطلب الحكومة اللبنانيّة، وكلّفت الماليّة االوطنيّة أموالاً طائلة، والمحكمة الجنائيّة الدوليّة القائمة والدائمة، والتي لا تنتظر أن تقدّم الحكومات الطّلب لتمارس صلاحيّاتها، ولا تضع على عاتق المكلّف اللبناني مثل تلك النفقات، شرط توافر العناصر القانونيّة الضروريّة لذلك. قمنا بجولة على المعنيّين وشرحنا المعطيات، وأكّدنا الفارق بين المحكمتين، وكذلك العناصر القانونيّة التي تسمح بالطلب إلى المحكمة الجنائيّة الدوليّة القيام بالتّحقيق، ودعونا إلى مؤتمر عام، شرحنا فيه مفهومنا للعدالة، وشرحنا تلك الحقوق المكتسبة في القانون الدولي والموجبات المقابلة. لكن كلّ ذلك ذهب حتّى الآن هباء. والسّبب أن الجميع يؤيّد منح المبادرة الفرنسيّة الفرصة لأنها "الأخيرة" أمام لبنان. فما الرابط بين هذه المبادرة وإحالة الجريمة إلى المحكمة الجنائيّة سوى الموقف الفرنسي بهذا الصدد؟ كلّ أركان الإدارة السياسيّة الوطنيّة والدوليّة، ظلّوا متمسّكين بالدّور الفرنسي الذي أوصل لبنان إلى حالة الإفلاس الحاليّة بسبب "التسويات" التي قادتها فرنسا في بلدنا، وجعلت "حزب الله" شريكاً في السلطة، بل القوّة الطاغية الممسكة بزمام السلطة في البلاد.
أيها الضّحايا.
لا تسمحوا باستمرار هذه المهزلة. القضاء الوطني اللبناني الذي نحترم ونجلّ، ليست له القدرة، ولا الإمكانيّات للتحقيق بمثل هذه الجريمة الرهيبة. كما أنّ الإستمرار بالتركيز على الفساد والإهمال سيجعل قضيّتكم مسألة مدنيّة وليس جنائيّة، تتّصل بتعويضات رمزيّة. وسيكون عليكم إنتظار كرم السلطة، كائناً من كان القائم على هذه السلطة، لتأمين أموال الإغاثة والمساعدات الإنسانيّة لكم، تماماً كما حصل في موضوع عودة المهجّرين. أما إصلاح المرافق العامة فسيكون على حسابنا ويراكم ديوناً إضافيّة على أجيالنا المقبلة، عدا أنها ستكون مصدر إستغلال للمتواطئين بين القطاعين الخاصّ والعام.
هيّا رتّبوا ملفّاتكم. إجمعوا الوثائق التي تبيّن كيفيّة إدارة المرفأ، ومن يقوم على الأمن فيه، ويملك سلطة المراقبة على الشّحن الذي يصل إليه، ومن يمتلك القرار في أذونات التصدير والإستيراد، وكيف ومن سمح بدخول باخرة النيترات إليه، والمعلومات عن هذه النيترات التي تبيّن أنها مخالفة لأحكام القانون الذي ينظّم عملية استيراد مثلها للأغراض الزّراعيّة. إضافة إلى معلومات إحصائيّة عن حجم الدمار والقتل والأضرار في المرافق المدنية والأملاك الخاصة والثروة الثقافية والتاريخية، ومعلومات طبيّة عن معاناة الأطفال والناس، وزيادة الهجرة، والآثار السلبيّة على الإقتصاد الوطني. وكلّ ذلك مرفقاً بصور توثّق هذه المعلومات، وتظهر المرفأ ومحيطه المدني والسكني قبل التّفجير.
إجمعوا القرائن التي تبيّن ترابط أهل السّلطة مع الميليشيات والأنظمة الإقليميّة التي تقود حروباً في المنطقة، وسيطرة الميليشيات المباشرة أو المقنّعة على المرفأ، وما نشرته وسائل الإعلام من معلومات للسياسيين والخبراء، وكل ما يبيّن أنّ هناك احتمالاً حقيقيّاً ولو غير مؤكّد بعد، بتورط خارجي بما في ذلك إسرائيلي، في التفجير، سببه الأعمال الحربيّة الجارية في المنطقة. وقد برزت أخيراً معلومات تشير بالأسماء إلى سوريين، قيل إنّهم متورّطون في شحن هذه النيترات إلى لبنان من أجل تزويد النظام السوري بها، لخدمة أعماله الحربيّة القائمة في سوريا. المطلوب جمع ما يكفي من القرائن التي تقنع مدّعي عام المحكمة وكذلك الدول الصّديقة، أن من حقّكم إثارة المادة 13 (ك) من شرعة المحكمة لطلب تدخّلها.
لتحمل وفود منكم نسخاً من هذه الوثائق والقرائن والمعطيات، إلى سفراء الدّول الأعضاء في المحكمة، وهم عديدون في لبنان. وليسافر وفد منكم إلى لاهاي لمقابلة مدعي عام المحكمة وهي قاضية أفريقيّة، وتقديم الملفّ الكامل لها، لكي تباشر النّظر بالمسألة. دعواكم في تلك المحكمة ستجعل أركان السّلطة يرتجفون ويسرعون إلى وضع حلول ترضيكم، لكن شيئاً لن يرضيكم سوى العدالة. أيّ قرار تتخذه المحكمة بشأن التفجير، سيكون تاريخياً ولن يمكن التورية على الإدّعاء. المحكمة تحقّق الآن بجرائم الحرب التي ارتكبتها سلطات إسرائيل ضدّ غزّة، ولم يردعها الإعتراض الأميركي والفرنسي وغيرهما. الفلسطينيّ لا يدفع الأموال الباهظة من أجل ذلك التحقيق فلماذا لا نقتدي بهم نحن أيضا؟
أيّها الضّحايا. ما حكّ جلدكم مثل أظافركم. فتصرّفوا، وكلّ مؤمن بالعدالة سيقف إلى جانبكم.