في التجارب الكبرى للصراعات، لم يكن التفاوض يومًا نقيضًا للحرب، بل غالبًا نتيجتها الطبيعية. فالحروب تُخاض لتعديل موازين القوى، أما المفاوضات فتأتي لتثبيت ما أنتجته تلك الموازين، أو لمنع انهيار ما تبقّى من الدول والمجتمعات. لذلك، فإن الجدل القائم اليوم في لبنان حول التفاوض الجاري مع إسرائيل، المباشر منه وغير المباشر، يبدو في جزء كبير منه سجالاً يتجاوز الشكل إلى أزمة أعمق تتعلق بتعريف القوة نفسها، ومن يملك حق استخدامها، ومن يقرر مصير المجتمع والدولة عند لحظات الخطر الوجودي.
التاريخ السياسي الحديث لا يقدم نموذجًا واحدًا ثابتا للتفاوض. فالمفاوضات المباشرة ليست دائمًا دليلاً على قوة، كما أن التفاوض غير المباشر ليس بالضرورة تعبيرًا عن ضعف. الولايات المتحدة تفاوضت مباشرة مع الاتحاد السوفياتي في ذروة الحرب الباردة، فيما فاوضت إيران عبر وسطاء لسنوات طويلة رغم امتلاكها نفوذا إقليميًا واسعًا. وحتى في الأشهر الأخيرة، عادت القنوات غير المباشرة بين واشنطن وطهران عبر وساطات إقليمية ودولية، رغم أن الطرفين يدركان أن التواصل المباشر قائم بصورة أو بأخرى. وهذا يؤكد أن شكل التفاوض تحدده عناصر متعددة: طبيعة المواجهة، حسابات الداخل، شبكة التحالفات، حجم الخسائر، والقدرة على تحمّل استمرار النزاع، أكثر مما تحدده الشعارات المعلنة.
هنري كيسنجر كان يعتبر أن "التفاوض هو فن تقييد القوة"، بينما رأى كارل فون كلاوزفيتز أن "الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى". أما الفيلسوف الفرنسي ريمون آرون فكان أكثر واقعية حين قال إن "السلام ليس غياب الصراع، بل إدارة الصراع". ومن هنا، يصبح السؤال في الحالة اللبنانية أكثر تعقيدًا: هل النقاش الحقيقي يدور حول التفاوض، أم حول من يملك حق تقرير الحرب والسلم داخل الدولة اللبنانية؟
المفارقة اللبنانية أن التفاوض نفسه تحوّل إلى ساحة نزاع داخلي بين الدولة وأحد مكوّناتها الموجودة في قلب الدولة وخارجها في آن واحد. فجزء من الخطاب السياسي يرفض التفاوض بحجة أن الدولة لا تملك أوراق قوة، بينما يصر الخطاب المقابل على أن "المقاومة" هي عنصر القوة الأساسي. غير أن الوقائع الميدانية تطرح أسئلة قاسية: إذا كانت القوة قائمة فعلاً، فلماذا ينجح العدو في تكريس وقائع ميدانية وجغرافية وديمغرافية تجعل المجتمع نفسه يدفع ثمن هذه القوة؟ ولماذا تتحول القرى والبلدات والبيئات الحاضنة إلى ساحات استنزاف مفتوحة؟ وكيف يمكن اعتبار الحفاظ على "قدرة الردع" إنجازاً فيما يجري تدمير عناصر الوجود الأساسية من بشر واقتصاد وجغرافيا، وهي العناصر التي تشكل في العلوم الاستراتيجية جوهر القوة الوطنية؟
هنا تظهر الأزمة الحقيقية: الخلط بين "القدرة العسكرية" و"القوة الوطنية الشاملة". فالدول لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو المقاتلين، بل بقدرتها على حماية مجتمعها ومؤسساتها واقتصادها وحدودها ومنع تفككها الداخلي. إسرائيل نفسها، رغم تفوقها العسكري، تعتبر أن أخطر تهديد عليها ليس الخسائر العسكرية المباشرة فقط، بل فقدان الاستقرار الديمغرافي أو انهيار الثقة الداخلية. ولذلك تستهدف في حروبها البنية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية للخصم بقدر ما تستهدف قدراته القتالية.
وفي لبنان، تبدو المعضلة أكثر خطورة لأن الدولة نفسها ضعيفة ومجزأة. فالجيش اللبناني، الذي يفترض أن يمثل القوة الشرعية الجامعة لكل الطوائف والمكونات، يواجه منذ عقود أزمات بنيوية: ضعف التسليح، الانهيار الاقتصادي، الارتهان للتوازنات السياسية والطائفية، وغياب قرار وطني موحد حول مفهوم الدفاع والسيادة. وهكذا نشأت معادلة شديدة التعقيد: دولة عاجزة عن احتكار القوة، وقوة عسكرية خارج إطار الدولة عاجزة بدورها عن تحويل تفوقها العسكري إلى استقرار وطني شامل.
الأخطر أن هذا التناقض لم يعد محصورًا بالخطاب السياسي، بل بدأ يظهر داخل البيئة الشيعية نفسها التي دفعت أثمان المواجهات المتكررة منذ عقود. فالمشاهد التي تظهر في مراكز النزوح، أو الاعتراضات التي تتكرر داخل القرى الجنوبية على استخدام محيط المنازل لإطلاق الصواريخ، ليست مجرد حوادث معزولة. وهي تعيد إلى الذاكرة حادثة شويا عام 2021 حين اعترض أهالي البلدة على إطلاق الصواريخ من بين المناطق السكنية. هذه الوقائع لا تعني بالضرورة رفض فكرة مقاومة الاحتلال، فهذه الفكرة تحظى بتأييد واسع بين اللبنانيين عندما ترتبط بالدفاع الوطني الجامع، لكنها تكشف تصاعد القلق من تحوّل المجتمع نفسه إلى وقود دائم لمواجهات مفتوحة بلا أفق سياسي واضح.
ومن هنا تبرز إشكالية تمثيل الطائفة الشيعية نفسها. فالنتائج الانتخابية النيابية الأخيرة التي شارك فيها المغتربون، رغم كل التعبئة الحزبية والتنظيمية، أظهرت أن نسب المشاركة الفعلية بقيت ضمن حدود تقارب نصف الجسم الانتخابي الشيعي تقريباً، ما يعني وجود شريحة واسعة صامتة أو غير منظمة أو غير منخرطة بالكامل في الخيارات القائمة. وهذه الفئة، وإن لم تمتلك تنظيماً سياسياً واضحاً، تبقى معنية مباشرة بمصير الحرب والسلم والهجرة والاقتصاد ومستقبل مناطقها.
لذلك، يصبح السؤال مشروعاً: هل يجوز أن يبقى قرار المواجهة المصيرية محصوراً داخل إطار حزبي أو تنظيمي ضيق، فيما نتائجها تصيب كامل المجتمع اللبناني؟ وهل يكفي تبرير استمرار المعادلة الحالية بمنع الفتنة الداخلية، بينما تتراكم في المقابل مؤشرات التصدع الاجتماعي والنفسي والاقتصادي؟ فالرئيس نبيه بري يقدم نفسه منذ سنوات كضامن لمنع الاقتتال الداخلي، لكن خصومه وحتى بعض بيئته يسألون اليوم: ألا يشكل استمرار الانفجار المفتوح، بكل ما يحمله من تهجير وخسائر وانقسامات، بداية تفكك داخلي من نوع آخر؟
في التجارب التاريخية، غالباً ما تأتي المفاوضات متأخرة بعد استنزاف هائل. هكذا حدث في حرب فيتنام، وفي الحرب العراقية الإيرانية، وحتى في تجارب عربية متعددة انتهت إلى تسويات بعد خسائر بشرية واقتصادية هائلة. المشكلة ليست في التفاوض بحد ذاته، بل في توقيته وشروطه والقدرة على تحويله إلى حماية للمجتمع لا مجرد اعتراف متأخر بالخسائر.
وفي الحالة اللبنانية، يبدو الخطر الأكبر أن تتحول "البطولات الفردية" التي يخوضها مقاتلون مقتنعون بالدفاع عن بيوتهم وقراهم، إلى معارك منفصلة عن السياق السياسي والاستراتيجي الأشمل للمنطقة. عندها تصبح التضحيات كبيرة، فيما تبقى النتائج النهائية رهينة تفاوض متأخر لا يغيّر كثيراً في الوقائع التي تكون قد فُرضت بالقوة والدمار.
لهذا، فإن النقاش الحقيقي الذي يحتاجه لبنان اليوم لا يتعلق فقط بقبول التفاوض أو رفضه، ولا بشكل التفاوض المباشر أو غير المباشر، بل بإعادة تعريف مفهوم القوة للمقاومة نفسها: هل القوة هي القدرة على إطلاق النار فقط، أم القدرة على حماية المجتمع والدولة ومنع انهيارهما؟ وهل يمكن لأي مكوّن، مهما بلغت قوته العسكرية أو شعبيته، أن يقرر وحده مصير بلد متعدد ومعقد مثل لبنان؟ أم أن التجارب المتراكمة منذ عام 2000، وقبلها تجربة السلاح الفلسطيني، تثبت أن أي قوة لا تُدمج ضمن مشروع دولة جامعة تتحول مع الوقت إلى عنصر استنزاف للجميع، بما في ذلك بيئتها نفسها؟
في النهاية، لا توجد مفاوضات "مقدسة" أو "خائنة" بحد ذاتها. التفاوض ليس عقيدة أخلاقية، بل أداة سياسية تُقاس بنتائجها وقدرتها على حماية الشعوب والدول. أما حين يصبح النقاش حول التفاوض بديلاً عن النقاش حول مستقبل الدولة نفسها، فإن الأزمة تكون قد تجاوزت حدود الحرب لتصل إلى سؤال الوجود الوطني اللبناني بأكمله.