ريمون شاكر

نعم "العفو العام" لمرتكبي الجِنَح... وليس للمجرمين!

3 دقائق للقراءة

يواجِه اقتراح قانون "العفو العام" الذي تدرسهُ اللجان النيابية المشتركة، تحدّيات سياسية وقانونية واجتماعية معقّدة، ممّا يجعلهُ ملفًّا خلافيًا بامتياز... وتتمحور أبرز المشاكل التي تعترض إقراره:

_ جرائم الإرهاب والموقوفون الإسلاميون.

(يصرّ النواب السنّة على شمول العفو الموقوفين في أحداث عبرا وموقوفي سجن روميه).

_ المُبعَدون إلى إسرائيل.

(تطالب القوى المسيحية بإنصاف اللبنانيين "المّبعَدين قسرًا" إلى إسرائيل بعد تحرير الجنوب عام 2000).

_ تجار المخدرات والجرائم الجنائية.

(النقاش محتدِم حول مدى شمول العفو لجرائم المخدّرات (ترويج، تهريب) والجرائم الجنائية الكبرى).

_ جرائم الفساد.

(هناك ضغوط لاستثناء جرائم تبييض الأموال والفساد المالي لضمان عدم تعرُّض لبنان لانتقادات دولية (إبقاء لبنان خارج القائمة الرمادية FATF).

للأسف، يتمّ التعامل مع ملفّ العفو كـ"ورقة سياسية" إنتخابية، حيث تسعى كل كتلة إلى شمول أكبر عدد من جمهورها، ممّا يحول دون التوافق... وتشهد اللجان النيابية المشترَكة توترات ومشادات كلامية (مثل مشادة بو صعب والسيد)، تؤدّي إلى رفع الجلسات وتأجيل البحث ممّا يعكس عُمق الخلاف...

وقد حذّرت مصادر قضائية من مواد معيّنة في الإقتراح (مثل المادة 9)، وصفتها أنها "هرطقة قانونية" تَهدف لإعفاء مستثنيين أصلاً من العفو. ويرى خبراء أنّ بعض صِيغ العفو تتناقض مع التزامات لبنان الدولية، خاصةً في ما يتعلّق بجرائم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا...

في الحقيقة، إذا لم يترافق "العفو العام" مع الإصلاح القضائي وترميم السجون وتأهيلها.. سنعود إلى نفس المشكلة بعد بضع سنوات...

منذ "لبنان الكبير"، صدر عدد كبير من قوانين ومراسيم "العفو العام"، حيث تُشير التقديرات إلى أنها تجاوزت الـ 44 عفواً، لكن أبرزها وأكثرها تأثيراً صدرت في محطات سياسية وأمنية مفصلية.. وأهمّها صدر في الأعوام: 1958، 1969، 1991، 1995... و2005 عقب اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري.

وتكرّرت قوانين "العفو العام" بشكل كبير وتنوّعت بين شامل وجزئي، وفي أغلب الأحيان ارتبطت بفترات الإنتخابات النيابية أو الأزمات السياسية...

أمّا اليوم، فتجري مناقشات جدّية ومكثّفة داخل اللجان النيابية المشتركة بشأن مشروع قانون "عفو عام"، مدفوعًا بضغطٍ شديد ناتج عن الاكتظاظ غير المسبوق في السجون اللبنانية، والأوضاع الإنسانية المزرية التي تحوّلت إلى "قنبلة موقوتة"، حيث وصل الاكتظاظ إلى أربعة أضعاف القدرة الإستيعابية (حوالي 8500 سجين)، مع نسبة موقوفين إحتياطيًا تصل إلى 80%، ووفيات ملحوظة نتيجة الظروف الصحية السيئة.

صحيح أنَّ الهدف الرئيسي من العفو هو تخفيف المعاناة الإنسانية وحلّ أزمة الإكتظاظ.. ولكن لا يجوز أن يأتي "العفو العام" على حساب حقوق الضحايا (خاصةً في الجرائم الجسيمة)، أو يسلبهم حقّهم في التعويض أو الاقتصاص العادِل.

يتحقّق التوازن عندما يراعي القانون "العدالة التصالحية"، أي العفو عن الجِنح البسيطة التي لا تشكّل خطرًا جسيمًا على المجتمع، مع استثناء جرائم مثل القتل، الإرهاب، الإعتداءات الجنسية، والفساد المالي الكبير، لضمان أنَّ تخفيف المعاناة لا يؤدّي إلى ظلم الضحايا...

"العفو العام" هو "سلاح ذو حدّين"... فإذا لم يُراعِ مبدأ العدالة، يتحوّل من أداة إنسانية إلى أداة تكرّس الإفلات من العقاب... إذ لا يُمكن أن تكون العدالة لطرف واحد، وإنما لكلا الطرفين.

ما أروع ابن خلدون في قوله:

"أعطِني قضاءً عادلاً.. أعطِكَ دولة".

باحث وكاتب سياسي