الدكتور سايد حرقص

قراءة في تشكّل السلطة اللبنانية بعد الطائف بمرآة رواية "الإخوة كارامازوف"

3 دقائق للقراءة

​في رواية "الإخوة كارامازوف" لفيودور دوستويفسكي، لا يبرز الأب "فيودور بافلوفيتش" كمجرد شخصية عائلية، بل كرمز للفساد الأخلاقي وانحلال السلطة الأبوية. فحين تنفصل السلطة عن المسؤولية الأخلاقية، تتحول من أداة للنظام إلى مركز لإنتاج الفوضى. هذا النموذج الأدبي يمنحنا مدخلاً رمزياً لمقاربة البنية السياسية اللبنانية التي تبلورت في أعقاب اتفاق الطائف.

​منذ نهاية الحرب، دخل لبنان مرحلة إعادة إنتاج نظامه السياسي ضمن معادلات إقليمية ودولية معقدة. كانت تلك المرحلة تجسيداً لـ"تقاسم الغنائم" بين القوى التي اصطفت برعاية أميركية لمحاربة نظام صدام حسين في العراق، مما شرعن الاحتلال السوري المباشر، وأتاح لاحقاً تمدد النفوذ الإيراني عبر "حزب الله"، بالتوازي مع ثقل اقتصادي سعودي.

​إلى جانب هذه الضغوط الخارجية، برزت البنية الطائفية اللبنانية كإطار لتوزيع السلطة؛ فلم تكن الدولة كياناً مستقلاً، بل تحولت إلى "حصص" نفوذ ومصالح يتقاسمها زعماء الطوائف، مشكلين ما يمكن وصفه بـ"سلطة متعددة الرؤوس". في هذه المنظومة، تتداخل الشرعية الرسمية مع وقائع القوة على الأرض، مما أنتج انفصاماً دائماً في القرار والسيادة.

​في القراءة السياسية الرمزية، تشبه هذه المنظومة شخصية "الأب" في الرواية: سلطة موجودة لكنها متحللة من القيم الاخلاقية والوطنية، ومركز نفوذ يخلط بين الإدارة العامة والمصلحة الخاصة. هذا "الأب" في الحالة اللبنانية ليس فرداً، بل شبكة مصالح متداخلة تمنع الانهيار الكامل لضمان استمرارها، لكنها في الوقت ذاته تعيق أي إصلاح حقيقي قد يهدد وجودها.

​وكما توزع أبناء كارامازوف بين العاطفة والعقل والإيمان والتمرد، يعكس المشهد اللبناني تعددية في السلوك السياسي:

- ​قوى شعبية: تعبر عن غضب اجتماعي متفجر.

- ​نخب فكرية: تتأرجح بين النقد الجذري والتبعية للممول.

- ​قوى "الردع": التي تعتبر الهيمنة ضامنة للاستقرار.

- ​مكونات مدنية: تناضل في مساحات ضيقة من أجل منطق الدولة.

​هذا التشتت، في غياب "الانتماء الوطني" و"العقد الوطني الجامع"، حوّل التنوع السياسي إلى نزاع وجودي مستمر، حتى بات تعريف "الدولة" نفسه موضع خلاف.

بعد عقود من الصراعات، تدحرجت الأزمات ككرة ثلج عملاقة حتى بلغت ذروتها عام 2019، ليدخل لبنان نفقاً من الأزمات الوجودية؛ بدءاً من انهيار مالي تاريخي، وكارثة انفجار مرفأ بيروت، وصولاً إلى تآكل المؤسسات، وانتهاءً بحروب الإسناد التي خاضها حزب الله مع إسرائيل، والتي أدت إلى حرق الأخضر واليابس.

​هذه الوقائع هي تجليات لخلل بنيوي؛ حيث تضيع المحاسبة بين ضباب المصالح الخاصة والولاءات الأجنبية.

​تطرح الرواية الروسية سؤالاً فلسفياً حول المعنى الأخلاقي في غياب المرجعية، يترجم لبنانيا من خلال: ماذا يحدث حين يغيب الانتماء الوطني الواحد وتنهار المرجعية الدستورية الجامعة؟ النتيجة هي ما نعيشه اليوم: تعدد الولاءات وتآكل هيبة الدولة، ما يفتح الباب أمام "شرعنة الأمر الواقع" بدلاً من تصحيحه.

​إن استحضار النموذج «الكارامازوفي» هو محاولة لكشف الحقيقة اللبنانية المرة؛ فحين تتحول السلطة إلى منظومة مصالح شخصية وأقليمية غير خاضعة للمساءلة، قد تستمر شكلياً لكنها تفقد جوهر وجودها. في لبنان، لم يعد «الأب» طرفاً يمكن الحوار معه، بل أصبح نظاماً متهالكاً يعيش على "اوكسيجين" التوازنات الإقليمية الهشة وينتظر لحظة إعلان الوفاة، بعد أن باتت رائحة تحلله تخنق جسد الوطن.