في الخامس والعشرين من تمّوز، وقفت الكنيسة المارونيّة في الديمان لتُعلن البطريرك الياس الحويّك طوباويّاً. ومن يظنّ أنّ هذا التطويب احتفاءٌ بناسكٍ اعتزل العالم في صومعته، يُخطئ الصورة كلّها: فالحويّك لم يُعرف بمحبسٍ ولا بصمتٍ، بل عُرف بالكرسيّ الأوّل، الذي جلس عليه، عن يمين الجنرال غورو، بعد ظهر الأوّل من أيلول 1920 في قصر الصنوبر، حين أُعلنت ولادة دولة لبنان الكبير. وقبل ذلك بعامٍ كامل، في 25 تشرين الأوّل 1919، كان الحويّك قد رفع إلى مؤتمر الصلح في باريس مذكّرةً طالب فيها بحدود لبنان الطبيعيّة والتاريخيّة، سهولاً ومرافئ ومدناً، لا حدود المتصرّفيّة المنقوصة؛ مذكّرةٌ اختزلت تجربة الكنيسة المارونيّة السياسيّة على مدى أكثر من أربعة عشر قرناً في هذا الشرق الدامي. طوباويّة الحويّك، إذاً، ليست طوباويّة زاهدٍ، بل طوباويّة بانٍ.
سبق هذا التطويب سلسلة مقالاتٍ تناولت وجود المسيحيّين اليوم، اختزل بعضها المشهد بعبارة أنّ وجودهم بات “رهن خياراتهم” الحزبيّة والانتخابيّة. وأيّ قراءةٍ من هذا النوع هي تعتيمٌ لحقائق التاريخ، ورجمٌ بالغيب، وجهلٌ بالواقع السياسيّ اللبنانيّ، إن لم تبدأ من حيث يجب أن تبدأ: من الاعتراف الصريح بما أصاب هذا المشروع، لا من نصائح جاهزة عن إصلاح الأحزاب.
فقبل إعلان قصر الصنوبر بأيّام، حين عاد الوفد اللبنانيّ من باريس عبر روما، حمل معه بركةً أخرى: خطّ البابا بنديكتوس الخامس عشر بركته بيده على خريطة لبنان الكبير. فبركتان إذاً أحاطتا بولادة الكيان: بركة روما على الخريطة، وبركة الحويّك على الكرسيّ، إلى جانب مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا الجالس عن يسار غورو، في مشهدٍ أراده الحويّك نفسه شراكةً لا استئثاراً.
لكنّ بين تلك البركة الأولى وبركة الديمان الأخيرة، مرّ لبنان – المشروع بقرنٍ اختُبرت فيه البركة بالنار. فالأزمات التي سبقت الحرب ثمّ رافقت الطائف وما بعده تعدّدت أسماؤها، لكنّها بقيت جميعاً في خانةٍ واحدة: عدم القبول بلبنان، بصيغته وتعدّديّته كما أراده الحويّك. وحتّى حين توافقت الأطراف أخيراً على إنهاء تلك الحرب في الطائف، كان التوافق أيضاً على حساب من أسّس الكيان بالذات: نُكّل بمقاوميهم، واعتُقلت قادتهم، فليست الأحد عشرةعاماً في زنزانةٍ منفردة، إلا تجلّياً لهذا الحقد على أصحاب المشروع، فاستحكمت دمشق ثمّ طهران بمصير الدولة. حتّى إذا عادوا إلى حرّيّتهم بعد عام 2005، خرجوا -كما وصفه الدكتور سمير جعجع يوم خروجه من معتقله- إلى “سجنهم الكبير”، سجنٍ من نوع آخر: خارج الدولة - المشروع التي صنعوها هم أنفسهم قبل قرنٍ من الزمن.
ولم ترضَ القوى الرافضة بهذا التراجع، فأغرت قسماً ممّن يُحسبون على صانعي الكيان بالمال والصفقات على حساب خيارهم التاريخيّ، فخرج هؤلاء من الصفّ في تفاهم شباط 2006، ليُفسحوا الطريق أمام احتلال إيراني من نوع آخر. ولكنّ القسم الأكبر منهم أصرّوا على الاستمرار ولو وحدهم في مواجهة التركة السوريّة والاحتلال الإيرانيّ، متمسّكين بخياريْ “لبنان أوّلاً” و”الجمهوريّة القويّة”، حتّى سقط الأسد في دمشق، وسقط معه مشروع إيران الإقليميّ إثر ضرب وكلائه المستحكمين بلبنان، فسقط معهم مَن باعوا الشراكة التاريخيّة بثلاثين من الفضّة.
ومن رحم هذا السقوط، بدأت مسيرة استعادة الدولة - المشروع، هذه المرّة على قراءة جديدة تقوم على ثابتتين لا تحتملان مساومة: الأولى أنّ المجتمع اللبنانيّ تعدّديٌّ بطبيعته لا بمحض توافقٍ سياسيّ عابر، والثانية أن أي صيغة للحكم يجب أن تعكس هذه التعدّديّة لا أن تتجاوزها أو تختزلها بأكثريّةٍ عدديّة. فمن هاتين الثابتتين وحدهما، لا من موازين القوى الطارئة، يُبنى لبنان آمن حياديٌ، لا رهينة محاور الآخرين. وهنا بالذات جاءت بركة الديمان لتُكمل الدائرة: فالكنيسة التي باركت الكيان عام 1920 عبر روما والحويّك معاً، لم تُبارك مؤسِّسه طوباويّاً إلّا بعدما ثبت أنّ ما بناه استحقّ الصمود قرناً كاملاً، رغم الطعنة والاحتلال والبيع. فالتطويب ليس تكريماً لماضٍ، بل شهادةٌ على أنّ النجاح ما زال قائماً.
أيّ مشروع أو قراءة تتغاضى عن تحديد المسؤوليّات عن كلّ ما حصل في المئة عام الفائتة على لبنان، هي مساهمة في إنهاء لبنان الحويّك!
مشروع المسيحيّين اليوم هو استكمال الشراكة التي باركها الحويّك يوم جلس إلى جانب شريكه المسلم لا فوقه: صيغة تعكس التعدّديّة لا تُلغيها، ودولة تُبنى لا سلطة تُقتسم، ولبنان يُصان لا لبنان يُقايَض.
فالحويّك لم يُطوَّب لأنّه أسّس دولة، بل لأنّه بارك أمّة. ومن يفهم الفرق بين التأسيس والبركة، يفهم أنّ الوفاء لما أُعطي لهذه الأمّة أهمّ من عدّ ما تبقّى لها.