رفيق خوري

عجز السلاح وسلاح المفاوضات

3 دقائق للقراءة

زمن اللعب بالبيضة والحجر اقترب من النهاية. وما عاد ممكناً أن يستمر أهل الشطارة وأهل المغامرة في اللعبة، بلا خوف من أن تنكسر البيضة ويسود ما يرمز اليه الحجر. والكل بات يعرف أن وقت الفرصة المفتوحة أمامنا قصير، في حين أن وقت الخطر الذي يضربنا طويل. ولا أولوية تتقدم على إنقاذ لبنان واللبنانيين، وفي الطليعة الشيعة، من خطر يتجاوز كل الأخطار السابقة. وإذا كان هناك من لا يهمه إنقاذ البلد لأن همه في مكان آخر، فإن المهم هو التفاهم، بدل التباين، على طريقة الإنقاذ والعمل عليها خلال الفرصة القصيرة المفتوحة.

وفي البدء كان الواقع قبل الوقائع. فما يقودنا إليه السلاح ليس الإنقاذ بل المزيد من الدمار والضحايا والنازحين. وما صار من الصعب، بعد التحولات المتسارعة في لبنان والإقليم، هو إعادة الوطن الصغير من مرتبة الدولة الى مرتبة "الساحة"، لا بل مرتبة "الملعب" المفتوح أمام اللاعبين الإسرائيلي والإيراني، حيث إفراغ أرض الجنوب من البيوت والناس وإرسال الأسلحة من دون قدرة على تحرير الأرض المحتلة.

ولا مجال لأن تتكرر سابقة رئيس الوزراء الإسرائيلي سابقاً الجزال إيهود باراك، الذي قرر الإنسحاب من الجنوب عام 2000 بلا تفاوض ولا قيد ولا شرط. والسبب ليس دور "المقاومة الإسلامية " وعملياتها الناجحة فقط، بل أيضاً تنفيذ باراك لما وعد به في الحملة الإنتخابية لجنة "الأمهات الأربع"، وخطته لإحراج سوريا لضمان خروجها من لبنان". ولا مهرب من التفاوض لإستعادة الأرض، ولو كان قيام جيش الإحتلال بالتغيير الجغرافي والديمغرافي يوحي أن المصاعب كبيرة. فهناك حالياً نافذة فرصة فتحها الرئيس دونالد ترامب، مع ضمانات قدمها اللاعب الأميركي الكبير، ولا عاقل يضيّع هذه الفرصة مهما بدت نسبة النجاح في اغتنامها، لأن تتضييعها وصفة مؤكدة مسبقة للبقاء تحت الإحتلال. والأخطر هو وقوف "حزب الله" ضد التفاوض مع إسرائيل، لضمان أن تستخدم إيران الورقة اللبنانية في مفاوضاتها مع أميركا، حيث تتقدم مصلحة طهران على مصلحة بيروت، وعملياً حيث تكون مصلحة لبنان جزءاً من مصلحة إيران.

واذا بدا من المظاهر أن مليون نازح شيعي يقفون وراء "الحزب" ضد المفاوضات التي يمكن أن تستعيد أرضاً خسرها أهل السلاح وتعيدهم إلی قراهم مع إعادة إعمار بيوتهم، فلا جدوى من النقاش والحوار. لا مبرر لإنتظار موقف أي طرف رافض أو محرج أو متردد قبل الذهاب إلى التفاوض شرط ضمان وقف النار أولاً ، تجنباً لبدء مفاوضات تحت النار. فالمعادلة واضحة. لا دور لـ"الحزب" المسلح إن لم يربط لبنان، من خلال إرتباطه هو، بإيران ومشروعها الإقليمي. ولا دور للبنان إذا بقي مرتبطاً بالجمهورية الإسلامية، ومشروع الدولة فيه عائقاً في الصراع بين إيران وإسرائيل. وكل منهما يوفر للآخر حجة البقاء، واحد للحفاظ على السلاح، وآخر للإحتفاظ بالإحتلال.

ومن المبكر وربما من الوهم التصرف كأن موازين القوى تبدلت لمصلحة "حزب الله" وإيران  في حرب إسناد ايران ضد إسرائيل، وحرب إيران في مواجهة أميركا وإسرائيل. فلا حرب لبنان انتهت. ولا حرب إيران اكتملت. ولا الصفقة الممكنة بين واشنطن وطهران بوساطة إسلام آباد تؤدي إلى ما هو أقل من التسليم بتراجع ميزان القوى أمام القوة الأميركية الهائلة، ولو في "حرب لا متماثلة". 

يقول المفكر الإستراتيجي الصيني القديم سن تزو:"المحاربون المنتصرون يربحون الحرب أولاً، ثم يذهبون إلى القتال، والمحاربون المهزومون يذهبون إلى الحرب ثم يبحثون عن الربح". والمشكلة أن كل طرف في حرب إيران، يصر على أنه منتصر وعدوه مهزوم.