أمل شموني

لبنان وإسرائيل ... جولة ثالثة وسط انعدام الثقة

6 دقائق للقراءة
واشنطن

تنعقد في واشنطن اليوم جولة جديدة من المحادثات بين إسرائيل ولبنان تستمرّ يومَي 14 و15 أيار، في محاولة لتحويل وقف إطلاق النار الهشّ إلى وقف أكثر استدامة، قبل اقتراب ما سُمّي بالهدنة الحالية من نهايتها. ويبدو هذا الطموح، على الأقل نظريًّا، لافتًا. فقد صرّحت وزارة الخارجية الأميركية بأنّ المحادثات ستهدف إلى التوصّل إلى "اتفاق شامل للسلام والأمن"، يغطّي ترسيم الحدود، والإغاثة، وإعادة الإعمار، وصولًا إلى بسط السيادة اللبنانية، وهو ما يتجاوز بكثير منطق وقف إطلاق نار القصير الأجل. إلا أنّ الفجوة بين التطلعات الدبلوماسية والواقع السياسي لا تزال شاسعة. فبحسب دبلوماسي أميركي، يتعرّض وقف إطلاق النار لضغوط العنف المستمرّ في جنوب لبنان، فيما الخلاف الجوهري الذي يدور حوله محور المحادثات، وهو مصير سلاح حزب الله، لا يزال مثيرًا للجدل كما كان دائمًا.

ويُعدّ التوقيت عاملًا حاسمًا في الضغط على الأطراف الثلاثة المشاركة في جولة المفاوضات. وتأتي هذه الجولة الجديدة عقب اجتماع 23 نيسان الذي مدّد الهدنة لثلاثة أسابيع، مّا أتاح كسب الوقت من دون حلّ النزاع الأساسي. وتواجه هذه الدبلوماسية الموقتة الآن اختبارًا أكثر صعوبة: هل تستطيع واشنطن انتزاع خطوات أمنية قابلة للتنفيذ، قبل أن يُجبر موعد نهائي آخر الأطراف على العودة إلى إدارة الأزمات؟

ويشير بيان وزارة الخارجية إلى أنّ الإدارة تسعى إلى بناء إطار عمل أوسع نطاقًا، بدلًا من مجرد الحفاظ على الوضع الراهن المتدهور. ومع ذلك، فقد أظهرت كل جولة حتى الآن مدى سهولة تحوّل هذه الاتصالات إلى مجرد تأجيل، ولاسيما عندما تتجاوز الحقائق العسكرية على الأرض التقدّم الدبلوماسي في واشنطن.

وبحسب مصدر قريب الى الأمن القومي، فإنّ أحد أسباب انخفاض التوقعات، هو أنّ لبنان وإسرائيل يدخلان المحادثات بتعريفات مختلفة تمامًا للنجاح. فاللبنانيون يشدّدون على استخدام مصطلح "إنهاء النزاع"، أو إطار عدم الاعتداء، وليس إبرام معاهدة سلام رسمية. ويفضّلون استخدام مصطلح "التقييم" بدلًا من "التدقيق" في ما يخصّ عديد الجيش اللبناني. وهو تحوّل يشير إلى سعي بيروت للتوفيق بين القيود السياسية الداخلية، وتجنّب الالتزامات التي قد لا تتمكّن من تنفيذها. في المقابل، يُؤطّر المسؤولون الأميركيون التقدّم في المحادثات، من حيث استعادة لبنان لسلطته الكاملة ونزع سلاح حزب الله بشكل كامل. وهذه ليست اختلافات لفظية. إنها غايات متنافسة، تؤثّر في كل شيء، بدءًا من ترتيبات الحدود وصولًا إلى مصداقية أي آلية تنفيذ.

يُمثّل نزع السلاح العقبة الرئيسية تحديدًا، لأنه القضية الأقل قابلية للحل سياسيًّا. فبحسب مصدر قريب الى القيادة المركزية الأميركية، رفض حزب الله الجداول الزمنية التي حدّدتها الحكومة للمضي قدمًا في خطة نزع سلاحه على مستوى لبنان، واصفًا هذا الجهد بأنه يخدم المصالح الإسرائيلية. واعتبر المصدر أنّ هذا الرفض أبرز حدود ما يمكن أن تعِد به بيروت بشكل موثوق في مفاوضات تستغرق يومين، حتى لو أراد المسؤولون اللبنانيون تعزيز احتكار الدولة للقوة. فحزب الله يمتلك الوسائل العسكرية والشبكة السياسية اللازمة، إلى جانب الشبكة الخارجية لمقاومة تفكيكه. والنتيجة هي تناقض مألوف: واشنطن وإسرائيل تريدان ضمانات أمنية تعتمد على نزع كلّي للسلاح، بينما يحاول لبنان التفاوض من موقع لا يزال فيه نزع السلاح نفسه غير محسوم. من هنا يُعدّ هذا التمييز بالغ الأهمية: فالسيطرة الإدارية لا تُغني عن ضمانة استراتيجية.

وفي المقابل، جعل المسؤولون الإسرائيليون والأميركيون من نزع السلاح واستعادة سلطة الدولة في لبنان مطلبين محوريين لهما. ووفقًا لمصادر أميركية، فإنّ أي اتفاق يجب أن يتضمن "نزع السلاح الكامل لحزب الله" واتخاذ خطوات ذات صدقية لضمان قدرة الجيش على بسط سلطته في شتى أنحاء الجنوب. ولا يُعدّ هذا مجرد اختلاف طفيف في الصياغة اللغوية، بل هو جوهر النزاع. إذ إنّ الحد الأدنى من المطالب، أي الخط الأحمر، لكل طرف يُعدّ أمرًا غير مقبول إلى حد كبير بالنسبة إلى الطرف الآخر.

من هنا لا يقتصر دور واشنطن على الوساطة فحسب، بل يمتدّ ليكون المصدر الرئيسي للنفوذ والضغط. ويعكف المسؤولون الأميركيون حاليًّا على دراسة آليات لتنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه. غير أنّ عقبة "التنفيذ" هي تحديدًا النقطة التي تتعثّر عندها الجهود الدبلوماسية عادةً. فما زال الشك المتبادل العميق يسيطر على الأجواء، حيث تصف مصادر أميركية هذه العملية بأنها "مضيعة للوقت"، وتحذّر من أنّ كلا الطرفين يتحدثان بلغة "حوار الطرشان". فلبنان يسعى إلى انسحاب إسرائيلي وتجنّب أي مواجهة مباشرة مع "حزب الله"، بينما تسعى إسرائيل للحصول على ضمانات أمنية لا تختلف في جوهرها عن نزع السلاح الكامل. ومن الصعب التوفيق بين هذه المواقف المتباينة في إطار زمني لا يتجاوز اليومين.

وفيما تتشكل مسارات المحادثات وتتأثر بديناميكيات إقليمية أوسع نطاقًا، إلا أنّ وقف إطلاق النار وُصف بأنه يهدف إلى إفساح المجال أمام الدبلوماسية، مع منح إسرائيل في الوقت نفسه حرية التصرّف والتحرك في حال استمرت التهديدات. وهذا يعني أنّ المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل هو مسار معزول عن المسار الإيراني - الأميركي، رغم أنّ حسابات "حزب الله" قد تلقي بظلالها الثقيلة على طاولة المفاوضات. إذ يكمن الخطر بالنسبة إلى لبنان في إضاعة فرصة دبلوماسية نادرة كهذه. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فيتمثل الخطر في القبول بالتزامات غامضة ومبهمة، بدلًا من الحصول على ضمانات حاسمة. وبالنسبة إلى واشنطن، يكمن التحدي في إثبات أنّ الهدنة المتفاوض عليها هي أكثر من مجرد حل موقت، وأنّ بمقدورها أن تفضي إلى تحوّل حقيقي في المشهدين الأمني والسياسي.

تُبرز آليات المحادثات مدى هشاشتها. إذ في ظل هذه القيود، فإنّ النتيجة الأكثر واقعية لا تتمثل في التوصل إلى اتفاق سلام نهائي، بل في حزمة محدودة تشمل: تجديد صيغة وقف إطلاق النار، وتفاهمات إجرائية، وربما التزامات جديدة في شأن الحوار. ورغم ذلك، ستظلّ لهذه النتائج قيمة، ولاسيما إذا ما مكّنت الجيش من توسيع نطاق دوره. غير أنّ الخلافات الجوهرية المتعلقة بحزب الله، وسلطة الدولة، وتنفيذ القانون، ستظلّ عالقة من دون حل، ما لم يُغير لبنان استراتيجيته بشكل جذري.

ومع انطلاق المحادثات، لا يكمن الخطر في حدوث فشل ذريع، بل في الانجراف الدبلوماسي، أي خوض جولة أخرى من المحادثات التي تكتفي بتأجيل طرح الأسئلة الشائكة، من دون معالجة الأسباب الجذرية للعنف. من هنا فإنّ الرهانات عالية، والفرصة المتاحة لتحقيق اختراق جوهري آخذة في الانحسار. ففي غياب أي تقدّم ملموس، سيواجه كل من لبنان وإسرائيل خطر تجدد التصعيد. وقد تجد الولايات المتحدة نفسها، رغم ما تبذله من جهود، مضطرة مرة أخرى إلى الاكتفاء بإدارة الأزمات بدلًا من حلّها جذريًّا.