الدكتور عماد إدوار مراد

صورة للتاريخ والمستقبل

4 دقائق للقراءة

إن الهدف الأبرز لكتابة التاريخ ودراسته هو استخلاص العِبر لبناء المستقبل. ففي عام 1958، واجه الرئيس كميل شمعون محاولة شعواء لإسقاطه من الرئاسة، وكان المشروع يتجاوز شخصه وموقعه، إذ ارتبط بالمخطط الناصري لضمّ لبنان إلى الجمهورية العربية المتحدة. هَدَفَ الرئيس جمال عبد الناصر آنذاك إلى إخضاع المنطقة لسلطته، وكان لبنان جزءًا من هذا المشروع. غير أن الرئيس شمعون، في الأشهر الأخيرة من ولايته، رفض المشروع رفضًا قاطعًا، وللتصدّي له استعان بالحكمة والمنطق والإيمان، واعتمد على بيئته أوّلا وعلى أكبر حزب مسيحي في حينه، وهو حزب الكتائب اللبنانية.

أدرك حزب الكتائب أن موقع الرئاسة هو موقع وجوديّ للموارنة والمسيحيين، وأن الدفاع عنه واجب مهما كلّف الأمر. كما أن الانتماء اللبناني للرئيس شمعون وتاريخه في حماية لبنان والحريات، فرض على الحزب الوقوف إلى جانبه. وهكذا، في أحداث 1958، نزل حزب الكتائب إلى الميدان حين تلكّأ الجيش اللبناني بقيادة فؤاد شهاب في الدفاع عن الرئاسة والجمهورية، فواجه الفكر الناصري والمسلّحين والمشاريع الخارجيّة، وحافظ على الرئاسة ومنع سقوط شمعون قبل نهاية عهده كما منع سقوط الجمهورية.

وفي مرحلة لاحقة، أدرك الرئيس فؤاد شهاب أن التاريخ يعلّم، وأن نجاح عهده يجب أن يستند إلى المسيحيين وإلى أقوى حزب مسيحي، فوضع حزب الكتائب إلى جانبه حفاظًا على الرئاسة وعلى العهد. وبفضل هذا الخيار، نجح عهده على الرغم ممّا شابه من ثغرات، أبرزها مراقبة الأحزاب والسياسيين والصحافيين.

في أيلول 1988، كلّف الرئيس أمين الجميّل قائد الجيش اللبناني العماد ميشال عون برئاسة حكومة انتقالية للتحضير لانتخاب رئيس للجمهورية. لكن دولة الرئيس المكلّف، وبعد أن أعلن حرب التحرير ضد الجيش السوري من دون دراسة استراتيجيّة وعسكريّة وسياسيّة، ارتكب خطأ استراتيجيًّا حين هاجم القوات اللبنانية وقرّر إلغاءها، متجاهلا أن هذا الحزب هو الأقوى على الساحة المسيحية، وأنه حافظ على الكيان اللبناني والمنطقة الحرّة طوال خمسة عشر عامًا وأنه لا يمكن أن يحقق أهدافه السياسيّة والوطنيّة من دون حزب القوات اللبنانيّة. هذا الخطأ أضعف المنطقة الشرقية والمسيحيين، وأدّى إلى سقوط عون في قصر بعبدا، وبالتالي إلى احتلال الجيش السوري كامل الأراضي اللبنانية.

ولم يتعلّم العماد ميشال عون من التاريخ مرّة أخرى. فبعد اتفاق معراب عام 2016، الذي أتاح انتخابه رئيسًا للجمهورية بدعم من القوات اللبنانية، تنكّر للاتفاق وأقصى القوات عن مركز القرار وعن المواقع الأساسية، مستبدلا التحالف المسيحي بتحالفه السابق مع "حزب اللّه" الذي يرتبط عقائديًّا بولاية الفقيه. هذا الخيار أفشل عهده، باعتراف قيادات التيار الوطني الحر، إذ إن "حزب اللّه" لا يؤمن بالدولة اللبنانية ولا بالرئاسة ولا بالكيان اللبناني، فكيف له أن يدعم رئيسًا لإنجاح عهده؟ هذا بالإضافة إلى أسباب متعدّدة ساهمت في إفشال عهده.

اليوم، ينظر الرئيس جوزاف عون إلى الماضي بعين المستقبل، ويدرك أن نجاح عهده مرهون بعوامل عدّة، أبرزها التعاون مع حزب القوات اللبنانية، كونه أكبر كتلة مسيحية في البرلمان اللبناني لا بل أكبر كتلة نيابيّة، وصاحب أكبر قاعدة شعبية مسيحيّة من دون منازع. ويجمع الطرفين هدف مشترك: إقامة دولة سيّدة، وحرّة، ومستقلّة، وحياديّة تبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وهذا العامل سيعطي العهد قوّة ودفعًا وصلابة ونجاحًا. من جهتها، تنظر القوات اللبنانية بقيادة الدكتور سمير جعجع وكتلتها النيابية ووزرائها وقاعدتها الشعبية بإيجابية وأمل إلى خطوات الرئيس جوزاف عون وحكومة عهده الأولى وقراراتها السياديّة، وهي مستعدّة لدعمهما في مواجهة السلاح غير الشرعي والفساد المستشري منذ نهاية الحرب الأهلية للوصول إلى برّ الأمان.