تناولت القمّة المنتظرة بين زعيمي أكبر اقتصادين في العالم ملفات شائكة عدّة أمس، من التجارة، مرورًا بقضية تايوان، وصولا إلى حرب إيران، في ظل محاولة واشنطن وبكين إدارة التنافس المحتدم بينهما على أكثر من صعيد بشكل يمنع صدامًا بالغ الكلفة بالنسبة إلى الطرفين والعالم أجمع، خصوصًا إذا حاول أحدهما تغيير الوضع القائم في تايوان بشكل أحادي، سواء عبر إعلان استقلال تايوان أو محاولة الصين احتلال الجزيرة، الأمر الذي يحذر خبراء من أنه قد يتطوّر إلى حرب عالمية ونووية.
أقام الرئيس الصيني شي جينبينغ لنظيره الأميركي دونالد ترامب استقبالا مهيبًا خارج المدخل الشرقي لقاعة الشعب الكبرى الفخمة في بكين، ترافق مع موسيقى عسكرية وطلقات تحيّة. وبدا ترامب مستمتعًا بالمراسم، حاسمًا أن "العلاقة بين الصين وأميركا ستكون أفضل من أيّ وقت مضى". لاحقًا، تساءل شي خلال اجتماعه مع ترامب عن إمكانية "تجاوز" بلاده وأميركا "فخّ ثوسيديدس" وصياغة نموذج جديد للعلاقات بين الدول الكبرى"، في إشارة إلى مفهوم في العلاقات الدولية يعني احتمال اندلاع صراع أو حرب عندما تصعد قوّة جديدة فتثير خوف قوّة مهيمنة قائمة. وأكد استعداده "للعمل مع الرئيس ترامب لتحديد مسار سفينة العلاقات الصينية - الأميركية العملاقة وتوجيه دفّتها، بما يجعل عام 2026 عامًا تاريخيًا ومفصليًا يفتح فصلا جديدًا في العلاقات الصينية - الأميركية".
وجزم شي بأن "الصين ملتزمة بتطوير العلاقات الصينية - الأميركية على نحو مستقر وسليم ومستدام"، لافتًا إلى أنه اتفق مع ترامب "على رؤية جديدة لبناء علاقة صينية - أميركية بنّاءة قائمة على الاستقرار الاستراتيجي، وسيوفّر ذلك توجيهًا استراتيجيًا للعلاقات الصينية - الأميركية خلال السنوات الثلاث المقبلة وما بعدها". وأشاد بـ "صيغة جديدة" للعلاقات مع واشنطن ترتكز على التعاون مع منافسة منضبطة.
وأكد شي خلال مأدبة عشاء رسمية فاخرة أُقيمت على شرف ترامب، وحضرها كبار المسؤولين ورجال الأعمال، أن العلاقات الأميركية - الصينية هي الأهم في العالم، في وقت دعا فيه ترامب شي وعقيلته إلى زيارة واشنطن في 24 أيلول المقبل. وكان الرئيسان قد زارا بعد القمّة "معبد السماء". ومن المقرّر أن يعقدا جلسة شاي وغداء ثنائية اليوم قبل أن يختتم ترامب زيارته التاريخية ويعود إلى بلاده.
وأما في ما يتعلّق بتايوان، فحسم شي أن "تايوان هي القضية الأهم في العلاقات الصينية - الأميركية، فإذا عولجت على نحو صحيح، ستتمتع العلاقة الثنائية باستقرار عام، أمّا إذا لم تُعالج، فسيشهد البلدان صدامات بل حتى صراعات، ما يضع العلاقة برمّتها في خطر كبير"، جازمًا بأن "استقلال تايوان والسلام عبر المضيق أمران متنافران كالنار والماء". وشدّد على ضرورة أن تمارس واشنطن "حذرًا إضافيًا في التعامل مع مسألة تايوان".
وإذ لم يذكر البيت الأبيض تايوان في وصفه للاجتماع، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الصين تثير دائمًا مسألة تايوان، لكنه حسم أن الموقف الأميركي لم يتغيّر خلال الاجتماع. وأكد أن مسألة مبيعات الأسلحة إلى تايوان "لم تكن حاضرة بشكل بارز" في المحادثات. كما أوضح وزير الخزانة سكوت بيسنت أن ترامب يدرك الحساسيات المتعلّقة بتايوان. وبعد تصريحات شي، وصفت تايبيه بكين بأنها "الخطر الوحيد" على السلام الإقليمي، مؤكدة أن "الجانب الأميركي أعاد مرارًا تأكيد دعمه الواضح والثابت".
وبخصوص العلاقات التجارية بين واشنطن وبكين، فقد أكد شي أن المسؤولين الأميركيين والصينيين توصّلوا خلال اجتماعهم التمهيدي للقمة في كوريا الجنوبية الأربعاء إلى "نتائج متوازنة وإيجابية عمومًا"، مؤكدًا أن الصين لن تفتح أبوابها إلّا على نحو أوسع، فالشركات الأميركية منخرطة بعمق في عملية الإصلاح والانفتاح في الصين. وشدد على ضرورة تنفيذ التفاهمات المشتركة المهمّة التي توصلا إليها، والاستفادة بصورة أفضل من قنوات التواصل في المجالات السياسية والدبلوماسية والعسكرية.
وفي هذا الإطار، أفاد البيت الأبيض بأن الرئيسين ناقشا "سبل تعزيز التعاون الاقتصادي بين بلدينا، بما في ذلك توسيع وصول الشركات الأميركية إلى السوق الصينية، وزيادة الاستثمارات الصينية في صناعاتنا". وذكر أن "الرئيسين شددا على الحاجة إلى البناء على التقدّم المحرز في وقف تدفّق السلائف الكيماوية للفنتانيل إلى أميركا، وكذلك زيادة مشتريات الصين من المنتجات الزراعية الأميركية". وكشف ترامب أن الصين وافقت على طلب شراء 200 طائرة من شركة "بوينغ".
أما بالنسبة إلى حرب إيران وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، فكشف البيت الأبيض أن ترامب وشي "اتفقا على وجوب أن يبقى مضيق هرمز مفتوحًا لدعم التدفق الحر للطاقة، كما أوضح الرئيس شي معارضة الصين لعسكرة المضيق وأي محاولة لفرض رسم عبور لقاء استخدامه، وأبدى اهتمامًا بشراء المزيد من النفط الأميركي للحدّ من اعتماد الصين على المضيق في المستقبل". وأفاد بأن الزعيمين "اتفقا على أن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحًا نوويًا أبدًا".
وأكد ترامب خلال مقابلة بعد لقائه شي أن الأخير يرغب في التوصل إلى اتفاق في شأن إيران ويود أن يرى هرمز مفتوحًا، مشيرًا إلى أنه عرض تقديم المساعدة. وكشف أن شي أبلغه بأن الصين لن تزوّد إيران بمعدات عسكرية، فيما اكتفت بكين بالإشارة إلى أن الزعيمين "تبادلا وجهات النظر في شأن قضايا دولية وإقليمية كبرى، مثل الوضع في الشرق الأوسط، والأزمة الأوكرانية، وشبه الجزيرة الكورية". وكشف "الحرس الثوري" أنه سمح لسفن صينية بعبور هرمز منذ مساء الأربعاء بناءً على تنسيق بين بكين وطهران. وأفاد التلفزيون الإيراني بأنه سُمح بعبور "أكثر من 30 سفينة"، غير أنه لم يوضّح ما إذا كانت كلّها صينية.
في الغضون، أدلى قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر بشهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، مؤكدًا خلالها أن القدرات العسكرية الإيرانية "تدهورت بشكل كبير"، في حين اعتبر أن إيران قادرة على التأثير في حركة الشحن من خلال خطابها وحده. وأوضح أن الجيش الأميركي يملك مجموعة واسعة من خطط الطوارئ، ويحتفظ بالقدرة على مرافقة السفن عبر هرمز. وأكد تدمير 90 في المئة من قطاع الصناعات الدفاعية الإيرانية، مؤكدًا أن إيران لم يتبقَّ لديها سوى 10 في المئة من مسيّراتها، بينما نفى صحة تقارير زعمت بأن طهران لا تزال تحتفظ بـ 70 في المئة من صواريخها ومنصات إطلاقها. وحسم أن إمدادات الأسلحة الإيرانية عن "حزب الله" و"حماس" والحوثيين قُطعت.
إلى ذلك، شارك وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة "بريكس" في نيودلهي، حيث التقى نظيره الروسي سيرغي لافروف على هامش الاجتماع، فيما تحدّثت الهند عن أن سفينة تحمل شحنة من الماشية وترفع علمها غرقت الأربعاء خلال إبحارها من الصومال إلى الإمارات في المياه العُمانية بعد اندلاع حريق على متنها إثر هجوم يشتبه بتنفيذه بمسيّرات أو صواريخ. وأفادت هيئة تابعة للبحرية البريطانية بأن "أفرادًا غير مصرّح لهم" صعدوا على متن سفينة راسية قبالة سواحل ميناء الفجيرة في الإمارات ووجّهوها صوب إيران.
وفي الوقت الذي تستمر فيه الصين بدعم حليفتها روسيا في غزوها لأوكرانيا، أكد الكرملين أن موسكو تتطلّع إلى إجراء اتصالاتها الخاصة مع شي، مشيرًا إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعتزم زيارة الصين قريبًا جدًا، في وقت شنت فيه روسيا، على مدى يومين، أكبر هجوم جوي على أوكرانيا منذ بدء الحرب، إذ قصفت كييف ومدنًا أخرى في مناطق متفرّقة في البلاد يومي الأربعاء والخميس باستخدام أكثر من 1567 مسيّرة، ما أسفر عن مقتل 15 مدنيًا على الأقل.