بعد الدراسات السابقة حول تسليح الجيش، وآلية تأمين المال وتحديد المصدر، لم يعد العجز في لبنان مشكلة موارد، بل قرار.
ولم تعد القيود الدولية هي العقدة الأساسية، بل طريقة تعامل الدولة معها: التردد، التشتت، والبطء الذي حوّل كل فرصة تسليح إلى ملف مفتوح على التعطيل. والتعرض المستمر للتجاذب الداخلي الذي يحوّل كل صفقة إلى أزمة داخلية.
"الخيار الثالث" ليس مجرد شعار وسطي بين الشرق والغرب، بل انقلاب في طريقة التفكير:
الانتقال من دولة تنتظر ما يُسمح لها به… إلى دولة تُحدد ما تحتاجه وتفرض إيقاع حصولها عليه داخل الأطر المتاحة دولياً.
صدمة الشحنة الأولى:
تبقى المعضلة الكبرى: كيف نأتي بالسلاح إلى مخازن جيشنا؟ وكيف نمرر "الحلم" عبر غابة الرقابة الدولية والواشين الذين يتربصون بكل رصاصة تدخل للبنان؟
من هنا تنشأ الحاجة إلى "الخيار الثالث": ليس التفافاً على النظام الدولي، بل استخداماً أكثر ذكاءً لأدواته، بحيث يتم الانتقال من تسليح معلن بطيء ومكشوف سياسياً، إلى تسليح سريع منخفض الظهور، تُدار فيه الحساسية السياسية على مبدأ: "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان".
ما نحتاجه هو صدمة الشحنة الأولى وهي ذات شقين: صدمة نوعية تتضمن أسلحة تُحدث نقلة في تجهيز الجيش وقدراته، وصدمة كمية بحيث يشكل إدخالها الى الخدمة فارقاً في ميزان القوى، وتكون نقطة تحول تحرج الأصدقاء والحلفاء قبل الاعداء، وتفتح الباب لعملية تسلح طبيعية مستقبلية، لاستكمال احتياجات القوات المسلحة.
وهنا يأتي دور اللجنة المصغرة في هندسة هذه الشحنة لضمان تمويلها ونقلها ووصولها الى الجيش بسرية تامة.
الامر ليس خيالاً ولا فيلماً هليودياً.
في عالم الاستراتيجية الحديثة، لم يعد السلاح يُنقل دائماً في صناديق مكتوب عليها "ذخائر حية".
هناك الكثير من الدول المُصنعة للسلاح اعتادت إبرام صفقات سرية، وهي مستعدة لتطبيق هذا السيناريو مع لبنان، خصوصاً ان الواقع السياسي الدولي يشكل حافزا لها، الى جانب المال، للقيام بذلك، خصوصا ان قنوات الاتصال مفتوحة مع هذه المصادر، وخبرتها في مجال "صفقات الظل" كبيرة؛ يبقى فقط أن تتوفر الإرادة السياسية اللبنانية لذلك.
من خلال عقيدة "الخيار الثالث"، يمكن إبرام اتفاقات تحت مسميات "دعم تقني مدني" أو "تطوير منظومات الاتصال والإغاثة". يمكن استيراد التكنولوجيا المتطورة (كالمسيّرات وأنظمة الرصد) كقطع غيار إلكترونية أو معدات بحثية وتكنولوجية، ليتم تجميعها وبرمجتها في الداخل. إنها عملية "تفكيك الشحنة لتركيب السيادة".
هندسة "مسارات الظل": الالتفاف على الرقابة
لا يمكننا الاعتماد على المسارات التقليدية التي تخضع لـ "عين" الرقابة الدولية المشروطة. ولتحقيق ذلك تتطلب الخطة:
1. الإخراج الصامت والوجهة الوهمية:
إن تأمين الشحنة يبدأ قبل وصولها إلى المياه الإقليمية؛ يبدأ من رصيف بلد المنشأ باعتماد "الخروج المتعدد والسري"، عبر استخدام نقاط بحرية ثانوية أو مرافئ تجارية غير مرصودة، على أن تنطلق عدة شحنات من مرافئ متعددة من دول ومصادر مختلفة، ولكن في أوقات متقاربة.
والأهم هو "تمويه الوجهة"؛ بحيث لا تُسجل الأوراق الرسمية في مرفأ بيروت كمحطة أخيرة، بل تُعتمد موانئ في دول قريبة أو صديقة، لتظهر الشحنة وكأنها "ترانزيت" تجاري اعتيادي، قبل أن تنفذ عملية "الانعطاف السيادي" في عرض البحر نحو السواحل اللبنانية، بعيداً عن الرادارات التقليدية التي ترصد خطوط الملاحة المباشرة.
2. المرافئ السيادية المؤقتة:
استخدام نقاط دخول غير تقليدية، وتحويل بعض المرافق الحيوية إلى "مناطق عسكرية مغلقة" لفترات محدودة تحت غطاء تدريبات أمنية مفاجئة، ونقل الشحنات عبر سلاسل إمداد لوجستية معقدة تعتمد على التمويه المدني والتحرك في "ثغرات" الرصد الزمني والمكاني.
الغطاء القانوني: شرعية "الضرورة الوطنية"
لتفادي إثارة الشبهات أو تعرض الدولة للعقوبات، يجب أن تتحرك هذه العمليات تحت غطاء "الهيئة الوطنية المستقلة" التي اقترحنا تشكيلها سابقاً. هذه الهيئة تُبرم اتفاقات "إطار لتوريد معدات "ذات استخدام مزدوج" (Dual-use). هذا الغطاء القانوني يحول دون توجيه اتهامات بخرق القرارات الدولية، طالما أن السلاح موجه حصراً لمؤسسة الدولة الشرعية وبقرار من قيادتها العليا.
المناورة القانونية: امتلاك ملفات جاهزة تثبت "مدنية" الشحنة أو طابعها الدفاعي الصرف الذي لا يتعارض مع الالتزامات الدولية القائمة، لخلق ضبابية قانونية تؤخر أي إجراء عقابي.
فخامة الرئيس.. التاريخ لا يذكر إلا الأقوياء.
لقد قدمنا "خارطة طريق" متكاملة؛ من العقيدة إلى المال، ومن المصدر إلى اللوجستيات. "الخيار الثالث" ليس وهماً، بل هو المسار الوحيد لانتشال الجيش من حالة "الاستجداء" إلى مرحلة "الاقتدار".
من واجبنا المقدس أن نحمي أنفسنا، ومن حقنا الطبيعي استغلال كل الظروف السياسية الدولية لتحقيق ذلك، كما أنه مبررٌ لنا، وطنياً ووجودياً، الاستفادة من أي موردٍ داخلي أو خارجي لضمان بقائنا.
إن "تكلفة المغامرة، أقل بكثير من تكلفة العجز والانهيار"
الكرة الآن في ملعبك يا فخامة الرئيس لتصبح "صانعاً للتاريخ". أنت رئيس الجمهورية اللبنانية والقائد الأعلى لقواتها المسلحة، حطم هذا الجدار.. فليس لديك ما تخسره.
انتهى.